هذا الشأن، يقول محمد الدريج:"تدخل الملاحظة المنظمة في نطاق مشروع محدد المعالم، يحصر مجال الدراسة. ويمكن أن تسمى بسيطة أو طبيعية، إذا ركزت على مراقبة سلوك الفرد في حياته اليومية. أي: ملاحظته كما يحدث تلقائيا في ظروفه الطبيعية، دون إخضاعه لضبط علمي صارم، وبغير استخدام أدوات دقيقة للقياس. ففي علم النفس الارتقائي-مثلا- يقوم الباحث بملاحظة ألعاب الطفل في فترات مختلفة، ليتبين ما يعتري هذه الألعاب من تغيرات. ويستعمل علم النفس الصناعي، وكذا علم النفس الاجتماعي أساسا، هذا النوع من الملاحظة، ملاحظة سلوك الزبناء، أو سلوك العمال تجاه الآلات ..." [1]
ويعني هذا أن الملاحظة المنظمة أفضل بكثير من الملاحظة العفوية، مادامت ترتكن إلى مقاييس واضحة ودقيقة، ومعايير علمية ممنهجة، وضوابط علمية محكمة ومنظمة.
(الملاحظة العلمية:
ترتبط الملاحظة العلمية بالتجربة والبرهنة والاستدلال استقراء واستنباطا. بمعنى أن الملاحظة العلمية أو التجريبية تبدأ بالفكرة التي تتحول إلى فرضية ومشكلة. وبعد ذلك، ينتقل الملاحظ إلى الاختبار، والتجريب، وتكرير عمليات التثبت والتحقق العلمي، وتنتهي تلك العمليات بإصدار قوانين استنتاجية كلية، تتحول بدورها إلى نظريات علمية. ومن ثم، يصعب الفصل بين الملاحظة العلمية والتجربة التحققية. وفي هذا الصدد، يقول كلود برنار (Claude Bernard) ، وذلك أثناء حديثه عن خطوات المنهج التجريبي، بأن الملاحظة العلمية هي أساس البحث العلمي الحقيقي:"على العالم الذي يريد الإحاطة بمجموع مبادئ المنهج التجريبي أن يستوفي نظامين من الشروط، ويتميز بخاصيتين فكريتين، تعتبر كلها ضرورية لتحقيق هدفه، والتوصل إلى الحقيقة العلمية. أولا، على العالم أن تكون لديه فكرة، يخضعها للفحص في ضوء الوقائع، لكنه، ليكون مطالبا، في الوقت نفسه، بالتأكد من أن الوقائع التي تمثل منطلقا لفحص فكرته هي وقائع صحيحة ومنظمة. لهذا السبب، عليه أن يكون ملاحظا ومجربا في الوقت نفسه. ثانيا، إن الملاحظ يعاين فقط بساطة الظاهرة الماثلة أمامه، فهمه الوحيد هو الحذر من الوقوع في أخطاء الملاحظة التي قد تؤدي به إلى إدراك غير كامل للظاهرة، أو إلى تعريفها تعريفا خاطئا. ولكي تكون معاينة الظاهرة معاينة سليمة، يستخدم الملاحظ كل الأدوات التي من شأنها جعل ملاحظته للظاهرة أكثر شمولية."
على الملاحظ أن يكون -إذًا- أثناء معاينته للظواهر، بمثابة آلة تصوير تنقل بالضبط ماهو موجود في الطبيعة: حيث يجب أن يلاحظ بدون فكرة مسبقة. وعليه أن يصمت، وينصت إلى الطبيعة، ويسجل ما تمليه عليه. وبعد معاينة الواقعة والملاحظة الجيدة للظاهرة، تبرز الفكرة، ويتدخل الاستدلال العقلي، فيظهر المجرب لتفسير الظاهرة. إن العالم التجريبي هو الذي يستطيع بفضل تفسير محتمل ومسبق للظواهر الملاحظة أن يؤسس التجربة، بحيث تسمح بالتحقق من الفرضية ( ... )
(1) - د. محمد الدريج: تحليل العملية التعليمية، ص:92 - 93.