يقول الأستاذ يوسف ميخائيل أسعد: (ارتبط إيمان المرأة بالحرية بضرورة ترك أولادها من ورائها بالبيت سعيا وراء الرزق والمكانة والحرية خارج جدران البيت، وكأن لسان حالها يقول ... لست الوحيدة المسئولة عن ذلك الطفل ... إن أباهم أيضا مسئول معي عنهم ... فلم أكلف أنا وحدي بالمكوث إلى جانبهم أرعاهم وأحدب عليهم، بينما يهجر الرجل البيت جل النهار، ولا يكاد يلقي بنظره إلى ذلك المخلوق الصغير، فلم إذا لا أقلّده وأقتفي أثره، وأهجر طفلي كما هجره الرجل) [1] .
وأعتقد أن السبب وراء خروج المرأة للعمل ليس كما ذكر الأستاذ ميخائيل بأنه يتمثّل في تقليد الرجل فحسب، بل إن هناك أسبابا كثيرة وراء ذلك ولعل من أبرزها نظرة الاحتقار من قبل المرأة لدورها كمربية للجيل المسلم، والتي من دون شك قد وردت من العالم الغربي كتحريك لتوجه المجتمع إلى الصورة التي تتحقق في تركيبته للتماثل بين الأدوار وليس التكامل، وهذه النظرة لدورها الأساسي الذي تقوم به هو الذي جعل تبحث عن ذاتها ودورها في المجتمع كمنافسة للرجل، ونست أو تناست أن الرجال الذين يبنون ويعمّرون المجتمع إنما هم من صنع أيديها، وأنها بدورها هذا الذي لا بد أن تمارسه في واقع اليوم كأم مثقّفة واعية تدرك متغيرات العصر وفلسفة التغيير والإصلاح فيه إنما هي تقوم كنقطة ارتكاز لصناعة بناة وحماة الوطن وتنميته، ولعلها بذلك وفق ما أراه لا تعتبر نصف المجتمع فحسب، بل يعتبر دورها الذي تركته من وراءها سعيا وراء لقمة العيش أكبر بكثير من منافستها للرجل بما يجر على المجتمع من سلبيات كثيرة.
ومع بداية رحلتها هذه تعددت الأسباب في سعي المرأة للخروج للعمل، حيث عمل الكثير من الأزواج على زج نسائهن في سوق العمل؛ وذلك لمواجهة متطلبات الحياة الكثيرة والمتعددة، وذلك حتى وصل المقام ببعض الرجال إلى اشتراط عمل المرأة كمعيار أساس لاختيار المرأة كزوجة ينوي الارتباط بها.
ثانيا: مجالات العمل التي دخلتها المرأة في الواقع المعاصر.
كما قلنا بأن الواقع التقليدي الذي يفرض قيام المرأة بتربية الجيل المسلم، والسعي للعمل على القيام بشؤون منزلها لم يعد منعكسا على استراتيجية الحياة اليوم، فالعولمة وانفتاح العالم قد جعل العمل للمرأة حق مكتسب تتنافس به مع الرجل، وإذا هضم حقها في ذلك عد تميزا ضدها، وهضم لحقها الذي ينبغي أن تتساوى فيه مع الرجل جنبا إلى جنب.
يحكي لنا الأستاذ توفيق على وهبة مجالات العمل التي دخلتها المرأة في واقع اليوم بقوله: (لقد أرادت المرأة أن تثبت أنها
(1) يوسف ميخائيل أسعد، المرأة والحرية، مرجع سبق ذكره، ص 9.