نالك ضرر، فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانًا" [1] ، ويبين الطبري أن معنى قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} "واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالمعروف. ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدنك عن ذلك ما نالك منهم" [2] . والصبر المترتب على المحاسبة السياسية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلب شرعي لا يتم قيام المجتمع الإسلامي وبقاؤه إلا به. قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [3] يقول الطبري في تفسيره:"
"أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة، والفاقة والضراء، وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهد حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟، ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب ..." [4] .
ومما يؤكد كذلك أن الصبر على البلاء المترتب على حمل الدعوة الإسلامية والسعي لاستئناف الحياة الإسلامية مطلب شرعي ما جاء عن خباب بن الأرت قال:"شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا. فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه ..." [5] .
وقد بين النووي أهمية الأمر بالمعروف والمحاسبة بقوله:
"واعلم أن هذا الباب أعني باب بالآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه ... فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته، ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . وقال"
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الرابع عشر، ص ص 46 - 47.
(2) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، الجزء الحادي والعشرون، ص 73.
(3) القرآن الكريم سورة البقرة، آية 214.
(4) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 341.
(5) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 315 - 316.