المبحث الأول
الإمامة
الإمامة والخلافة والإمارة العامة بمعنى واحد، ويقصد بها الرئاسة العامة على المسلمين جميعًا من أجل تطبيق أحكام الإسلام داخل الدولة، وحمل الإسلام إلى العالم، والخلافة هي النظام السياسي الشرعي فنظام الحكم الشرعي هو نظام الخلافة الذي ورد بشأنه العديد من الأدلة الشرعية.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [1] ، يقول القرطبي:"هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يُسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة" [2] .
وقد استدل الشنقيطي بالآية السابقة على وجوب نصب إمام"تجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الله في أرضه" [3] وبين الطبري أن معنى قوله سبحانه وتعالى"خليفة"أي من يقوم بالأمر في الأرض بأحكام الله، أي أنه يحكم فيها بين الخلق بحكمه سبحانه وتعالى. ومن ثم ذكر الطبري أن تأويل الآية وفقًا لما رواه ابن مسعود وابن عباس هو"إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي، وذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله، والحكم بالعدل بين خلقه" [4] . ولذلك فالآية الكريمة تدل على أن الإنسان مستخلف في الأرض من أجل عمارتها وسياستها وفقًا لأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [5] . ويذكر القرطبي أن معنى"خلائف"جمع خليفة ككرائم جمع كريمة. وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي جعلكم خلفًا للأمم الماضية والقرون السالفة" [6] . ولكن الخلفاء يذكرهم الله سبحانه وتعالى بأنهم مأمورون بتطبيق أحكامه"
(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 30.
(2) أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، المجلد الأول، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1413 هـ - 1993 م، ص 182.
(3) محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الجزء الأول، (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1408 هـ - 1988 م، ص 50.
(4) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الجزء الأول، (مكة المكرمة: المكتبة الفيصلية، د. ت، ص 200.
(5) القرآن الكريم، سورة الأنعام، آية 165.
(6) القرطبي، مرجع سابق، المجلد الرابع، ص 103.