وشرائعه في واقع الحياة، قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [1] ، يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلُف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين" [2] ، وذلك بتطبيق الشرع الإسلامي والحكم {بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} ، أي بالعدل والإنصاف."
ويؤكد ابن كثير أن الآية الكريمة:
"... وصية من الله عز وجل لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه، فيضلون عن سبيل الله. وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. روى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي زرعة - وكان قد قرأ الكتاب - أن الوليد بن عبدالملك قال له: أيحاسب الخليفة، فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفهمت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه" [3] .
ولذلك حذر الله سبحانه وتعالى داود عليه الصلاة والسلام من الحكم بغير الشرع بقوله: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ} ، يقول الطبري"فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله".
ثم بين الله سبحانه وتعالى نتائج الانحراف عن تطبيق أحكامه التي يقوم عليها نظام الخلافة الشرعي بقوله {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ، يقول الطبري في تفسيره"إن الذين يميلون عن سبيل الله، وذلك الحق الذي شرعه لعباده، وأمرهم بالعمل به فيجورون عنه في الدنيا، لهم في الآخرة يوم الحساب عذاب شديد على ضلالهم عن سبيل الله بما نسوا أمر الله ... (أي) بما تركوا القضاء بالعدل، والعمل بطاعة الله ..." [4] .
(1) القرآن الكريم، سورة ص، آية 26.
(2) القرطبي، مرجع سابق، المجلد الثامن، ص 124.
(3) عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير، مختصر تفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني، المجلد الثالث، (بيروت: دار القرآن الكريم، 1402 هـ - 1981 م، ص 201.
(4) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، الجزء الثالث والعشرون، ص 152.