وتتابع الآيات التي تؤكد الارتباط الوثيق بين نظام الخلافة الشرعي، وبين تطبيق الأحكام الشرعية التي تؤكد في مجملها أن الخلفاء مأمورون بالعمل من أجل تطبيق أحكام الإسلام في واقع الحياة قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [1] ، ففي هذه الآية الكريمة وعد من الله لعباده المؤمنين الصالحين أن يجعل منهم خلفاء. وقد ذكر ابن كثير ذلك بقوله:"هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم" [2] .
وبين الشنقيطي أن الآية الكريمة"تدل على أن طاعة الله بالإيمان به، والعمل الصالح، سبب للقوة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة"، ثم بين أن من الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [3] ، وقوله تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [4] وتستمر الآيات الكريمة في الربط بين نظام الخلافة والاستخلاف والأحكام الشرعية، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [5] . فالله سبحانه وتعالى يذكر الناس الذين جعلهم خلفاء الأرض أن شريعته هي التي يجب أن تحكم شئون الحياة فلا يصح أن يعبد الناس"الطاغوت"من البشر أو الأحكام الوضعية، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى على جهة التوبيخ {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟} "كأنه قال: أمع الله ويلكم إله؟!" [6] ، مما يدل على أن الخلافة مرتبطة بتطبيق أحكام الشرع في واقع الحياة والذي من خلاله يتحقق معنى العبودية لله،"فلا إله إلا الله"تعني: أن لا معبود بحق إلا الله لا الحكام ولا الأنظمة الوضعية ولا القوانين الجاهلية، ولا يتأتى تحقيق ذلك إلا بتطبيق نظام الخلافة في الأرض الذي نصت عليه الأدلة الشرعية.
ومما يؤكد الارتباط الحتمي بين نظام الخلافة الشرعي وتطبيق الأحكام الشرعية، قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على"
(1) القرآن الكريم، سورة النور، آية 55.
(2) ابن كثير، مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 615.
(3) القرآن الكريم، سورة القصص، آية 5.
(4) القرآن الكريم، سورة الأعراف، آية 129، راجع الشنقيطي، مرجع سابق، الجزء السادس، ص 246.
(5) القرآن الكريم، سورة النمل، آية 62.
(6) القرطبي، مرجع سابق، المجلد السابع، ص 149.