الصفحة 11 من 117

منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت" [1] ؛ فقد أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث إلى واقع السلطة السياسية في الدولة بقوله"ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"وذلك يدل على أن الخلافة كنظام سياسي لا بد وأن تقوم على منهاج النبوة، أي على اتباع الشرع الإسلامي. أما إذا لم يكن الأمر كذلك فإن طبيعة السلطة السياسية تتغير من الخلافة الشرعية إلى"الملك العضوض"و"الملك الجبري"حيث يتحول الحكم إلى الطبيعة الاستبدادية التسلطية، لابتعاده عن"منهاج النبوة"وتطبيق الشرع في واقع الحياة."

وقد دفع الاهتمام بمعرفة طبيعة الحكم وموقع الحاكم في الدولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يسأل عن نوعية حكمه وهو في دولة تحيط بها أنظمة استبدادية هرقلية وكسروية تتفشى فيها عبادة الفرد، حيث تعكس السلطة السياسية في الدولة رغبات الحاكم ونزواته، ويظهر الظلم فيها جليًا للعيان، فقد سأل عمر رضي الله عنه سلمان الفارسي رضي الله عنه"أملك أنا أم خليفة؟"فأجابه سلمان بكلمة حق بقوله:"إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة" [2] .

وفي دراسته لظاهرة الحكم تناول ابن خلدون أشكال السلطة السياسية التي قسمها إلى ثلاثة أقسام:"الملك الطبيعي"الذي يتمثل في"حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة"، و"الملك السياسي"و"هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار"، ونظام الخلافة الشرعي القائم على"حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" [3] ، وبناء عليه، فنظام الخلافة الشرعي هو النظام الوحيد القائم على حفظ الدين، وسياسة الدنيا وفقًا لأحكام الشرع الإسلامي.

(1) رواه أحمد، راجع محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، (الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1415 هـ - 1995 م، المجلد الأول، القسم الأول، حديث رقم 5، ص 34.

(2) محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، الجزء الثاني، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1407 هـ - 1987 م، ص 571.

(3) عبدالرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبدالواحد وافي، الجزء الثاني، (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، 1401 هـ - 1981 م، ص 578.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت