كما استعرض الماوردي قواعد بناء الحكم في الدولة وهي"تأسيس دين، وتأسيس قوة، وتأسيس مال وثروة"ثم بين أن"تأسيس الدين"أي إقامة الدولة على الشرع هو"أثبتها قاعدة، وأدومها مدة، وأخلصها طاعة"، ثم بين أن تحول السلطة السياسية من تأسيس الدين إلى غيره يحصل من أسباب ثلاثة:
أحدها"أن يخرج المُلك من منصب الدين حتى يتولى عليه غير أهله، ويظهر منه خلاف عقده، فتنفر منه النفوس إن لان، وتعانده إن خشن، تعصيه القلوب وإن أطاعته الأجساد، فيتطلب الناس للخلاص منه أسبابا، ويفتحون للوثوب عليه أبوابًا، يستسهلون فيها بذل النفوس والأموال حفظًا لدينهم، فيصير ملكه عُرضة للطالب ..."
أما السبب الثاني فهو"أن يكون الملك ممن قد استهان بالدين [وهون] أهله، فأهمل أحكامه، وطمس أعلامه، حتى لا تؤدى فروضه، وتوفى حقوقه، إما لضعف عزمه في الدين، أو لانهماكه في اللذات ..."
أما السبب الثالث"أن يكون الملك ممن قد أحدث بدعة في الدين شنعة واختار فيه أقوالًا بشعة، يفضي استمرارها إلى تبديله، ويؤول إلى تغييره وتعطيله، فتأبى نفوس الناس بغير دين قد صح لهم معتقده، واستقرت في القلوب أصوله وقواعده، فيصير دينه مرفوضًا، وملكه منقوضًا" [1] .
يتضح مما تقدم أن قيام الدولة على قواعد الشرع يجعل نظامها نظام الحكم الشرعي الذي أشارت إليه الآيات الكريمة السابقة، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعالجة لقاعدة"خلافة النبوة"، ولتغير السلطان في الدولة من خلافة راشدة إلى نظام الاستبداد السياسي، وقد فصل الماوردي الحالات التي يتغير بها واقع السلطة السياسية من الحكم بالشرع إلى غيره من أشكال السلطة السياسية التي توضح التلازم بين الدين والحكم الشرعي أي الخلافة، والتي تبين أن ترك الأحكام الشرعية يؤدي إلى تقويض دعائم السلطة السياسية الشرعية، ويؤدي إلى قيام سلطة سياسية مكانها قائمة على المال والشهوة أو القوة المجردة.
وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن خلافة النبوة لا تكون إلا عند قيام الخلفاء بتطبيق الأحكام الشرعية كاملة في واقع الحياة ولذلك جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله"خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه، من يشاء" [2] .
(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، تحقيق رضوان السيد، (بيروت: دار العلوم العربية للطباعة والنشر، 1987 م، ص ص 202، 204.
(2) صحيح سنن أبي داود، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الجزء الثالث (الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1409 هـ - 1989 م، ص 879.