الصفحة 34 من 117

المبحث الثالث

الشورى

الشورى مفهوم سياسي شرعي مرتبط بسلطان الأمة ويعني: أخذ الرأي، وهو حق من الحقوق السياسية التي كفلها الشرع للأمة، كضمانة للحيلولة دون حصول الاستبداد السياسي في الدولة. وقد وردت العديد من الأدلة الشرعية التي تبين واقع الشورى ومشروعيتها فقد أثنى الله سبحانه وتعالى على المسلمين الذين يتخذون الشورى منهجًا في ممارساتهم الاجتماعية والسياسية، لما في ممارسة الشورى من إظهار لوعي الأمة، وإدراكها لحقوقها السياسية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [1] ، يقول ابن كثير في تفسيره"أي: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها" [2] .

ومن الأدلة المؤكدة على مشروعية الشورى في الدولة الإسلامية قول الله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [3] وقد نقل القرطبي عن ابن عطية قوله:"والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه" [4] .

وقال ابن خويز منداد:

"واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وكان يقال: ما ندم من استشار، وكان يقال: من أعجب برأيه ضل" [5] .

يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} "أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه". روى ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العزم؟ فقال:"مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم" [6] . يقول القرطبي:

(1) القرآن الكريم، سورة الشورى، آية 38.

(2) مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الثالث، ص 280.

(3) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 159.

(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الرابع، ص 161.

(5) المرجع السابق، نفسه، ص 161.

(6) مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الأول، ص 332.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت