الصفحة 45 من 117

المبحث الأول

الأمة القومية والأمة الإسلامية

الأمة مفهوم سياسي شرعي مرتبط بتطبيق أحكام الإسلام في واقع الحياة، وبوجود الدولة الشرعية. والأمة في المفهوم السياسي الشرعي واحدة لا تتعدد ولا تتجزأ مطلقًا؛ فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن التعددية المفضية إلى التفرقة بعد أن بين أنه لا يجوز إلا أن تكون الأمة في دار الإسلام واحدة قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} . [1] ، ثم ذم الله سبحانه وتعالى التجزئة والفرقة بقوله: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [2] ، وفي هذا دليل على تحريم التجزئة والفرقة بين المسلمين. ومما يدل على وجوب وحدة الأمة، كذلك، قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [3] وبناء عليه فلا يصح أن تتعدد تسمية الأمة فيقال الأمة العربية أو الأمة التركية أو الهندية أو الإسلامية، لأن الشرع لا يقر إلا الرابطة العَقَدية التي تؤدي إلى قيام الأمة الإسلامية الواحدة.

أضف إلى ذلك: أن قيام الأمة بالمفهوم الشرعي لها يقتضي قيام الدولة التي تجمع شمل الأمة وتعمل على نشر المبدأ الذي تحمله الأمة في أرجاء المعمورة، فوجود الأمة يحتم وجود الدولة الشرعية، وبهذا يظهر التناقض واضحًا بين مفهوم الأمة الشرعي ومفهوم الأمة القومي؛ فمفهوم الأمة القومي يختلف عن مفهوم الدولة حيث يؤكد المفكرون الغربيون أن الدولة كمجتمع سياسي منظم تختلف حتمًا عن الأمة التي هي شعور بالانتماء إلى جماعة تشترك في عدد من الخصائص، فالدولة قد تنشأ قبل نشأة الأمة، أو قد توجد دولة بدون أمة، أي بدون توفر عناصر الأمة فيها.

كما قد توجد دولة مكونة من أمم متعددة، وقد تقسم الأمة بين عدد من الدول، وينشأ نتيجة لذلك شعور قومي بالانتماء إلى الأمة، وشعور وطني ناتج عن الخضوع للدولة الوطنية. كما يؤكدون، أيضًا، أن"الدولة القومية"تتكون حين تكوّن الأمة دولة، بحيث يصبح هدف الجماعة التي تحمل خصائص مشتركة السعي، إلى إقامة الدولة القومية، أي بناء الإطار السياسي الذي يعزز الإطار الاجتماعي والنفسي للجماعة، ولذلك فالفكرة القومية، كما يؤكد ساطع الحصري، تقوم على أساس:

(1) القرآن الكريم، سورة المؤمنون، آية 52.

(2) القرآن الكريم، سورة المؤمنون، آية 53 - 54.

(3) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت