المبحث الثاني
البيعة الشرعية
البيعة الشرعية هي الطريقة الوحيدة لتولي منصب الخلافة في الدولة الشرعية، فلا يملك أحد تولي منصب رئيس الدولة الإسلامية إلا بالبيعة. وقد عرف العلماء والفقهاء البيعة، فذكر القلقشندي أن البيعة هي"المعاقدة والمعاهدة" [1] وبين القاضي عبدالجبار أن عقد البيعة يعني"الرضا والانقياد وإظهار ذلك" [2] فهي وسيلة للتعبير عن الرضا، وأكد ابن خلدون أن البيعة إبرام العقد وإعطاء العهد وعرفها بأنها"العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره" [3] ، يتضح من تعريف ابن خلدون أن البيعة الشرعية تشتمل على عقد حقيقي يتعهد فيه الحاكم بأن يحكم بالشرع الإسلامي، وتتعهد الأمة في مقابل ذلك بطاعته بالمعروف.
والبيعة حق من الحقوق السياسية الأساسية للأمة، وحين أوجب الشرع على الأمة أن تنصب إمامًا بين لها أن طريقة نصب الإمام تكون بالبيعة الشرعية. وقد ورد العديد من الأدلة الشرعية المبينة للبيعة كحق سياسي معبر عن سلطان الأمة في دولة الخلافة. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [4] وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [5] وبين سبحانه وتعالى حق المرأة السياسي في البيعة بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [6] .
وقد وردت في السنة النبوية المطهرة العديد من الأحاديث التي تدل على وجوب البيعة الشرعية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" [7] ، فهذا الحديث يدل على وجوب
(1) أحمد بن عبدالله القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، الجزء التاسع، (القاهرة: مطابع كومستامتسوماس وشركاه، د. ت، ص 273.
(2) القاضي أبي الحسن عبدالجبار، المغني في أبواب العدل والتوحيد، تحقيق عبدالحليم محمود، سليمان دنيا، الجزء العشرون، القسم الأول، (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، د. ت، ص 251.
(3) عبدالرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص ص 608 - 609.
(4) القرآن الكريم، سورة الفتح، آية 10.
(5) القرآن الكريم، سورة الفتح، آية 18.
(6) القرآن الكريم، سورة الممتحنة، آية 12.
(7) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 240.