البيعة الشرعية للإمام الشرعي، فهو من ناحية مرتبط بالحاكم الشرعي وليس المقصود منه وجوب مبايعة حاكم الدولة التي يقيم فيها المرء أو التي ينتمي إليها، سواء حكمت بالشرع أو بغيره من القوانين الوضعية، وسواءً كان الحاكم فاسقًا أو ظالمًا أو كافرًا، وسواء قامت على مفاهيم العلمانية أو الوطنية أو القومية أو الديموقراطية أو الاشتراكية، أو غيرها من المفاهيم غير الإسلامية، إنما المقصود من الحديث:
"أنه إذا كان هناك إمام شرعي، توفرت فيه شروط صحة البيعة، وانتفت نواقضها، فإنه يجب على المسلم أن يبادر إلى البيعة إذا كان من أهل الحل والعقد، أو طلبت منه، ولا يجوز له أن يبيت ولا يراه إمامًا، أما إذا لم تكن شروط صحة البيعة متوفرة في هذا الحاكم، فليس عليه واجب البيعة، بل عليه أن يسعى لإيجاد الإمام الشرعي حسب طاقته ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" [1] .
كما يتضمن الحديث، من ناحية أخرى، بيانًا بأن الامتناع عن المبايعة للإمام الشرعي معصية، لأن ترك البيعة يجعل المرء يموت ميتة جاهلية تحكمها الفوضى، قال النووي في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم - (مات ميتة جاهلية) أي أنه مات"على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم" [2] ، وذكر ابن حجر أن حالة موت هؤلاء"كموت أهل الجاهلية على ضلال ... ، وليس المراد أنه يموت كافرًا بل يموت عاصيًا" [3] .
وقد ورد العديد من الأحاديث الدالة على أن البيعة حق سياسي مظهر لسلطان الأمة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال"بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" [4] .
وعن عبادة بن الصامت قال دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا:"أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" [5] .
(1) عبدالله بن عمر بن سليمان الدميجي، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، (الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، 1407 هـ - 1987 م، ص ص 213، 214.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 238.
(3) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، المجلد الثالث عشر، ص 7.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 228.
(5) المرجع السابق نفسه، ص 228.