الصفحة 97 من 117

وقد استدل العلماء بهذه الآية الكريمة على وجوب إظهار الحق وتبليغ العلم، فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قوله:"لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثًا"، ثم ذكر الآية السابقة [1] .

وقد ربط سبحانه وتعالى بين التوبة الصحيحة للعلماء، وبين بيان الحق وإظهاره للناس. قال تعالى بعد أن بين أن لعنته تصيب علماء السوء الذين يسكتون عن الحق، ويخفونه، ويشترون بآياته ثمنًا قليلًا: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [2] ؛ فقد اشترط الله سبحانه وتعالى لقبول توبة العلماء بيان الحق الذي كتموه، فاستحقوا من أجل كتمانه اللعن من الله سبحانه وتعالى، حيث لا يكفي من العالم الكاتم للحق التوبة، بل لا بد من الإصلاح والبيان، أي إظهار الحق والدعوة إليه. كما توعد الله سبحانه وتعالى علماء السوء الذين يكتمون الحق بالنار والعذاب الأليم. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [3] ، وقد أشار القرطبي إلى أن الآية"تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك بسبب دنيا يصيبها" [4] ، وبين، كذلك، أن في ذكر الله سبحانه وتعالى لأكلهم النار في بطونهم:

"دلالة وتأكيدًا على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازًا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه، وفي ذكر البطون أيضًا تنبيه على جشعهم، وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له .. ومعنى"إلا النار"أي أنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار، فيسمى ما أكلوه من الرشاء نارًا، لأنه يؤديهم إلى النار" [5] .

ثم بينت الآية أن كاتمي الحق من العلماء لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وهذا من غضب الله عليهم وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم. شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر"، يقول القرطبي:"وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي، إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم" [6] ، وهذا هو حال العلماء الذين يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طمعًا في دنيا زائلة، فيكون مصيرهم إلى عذاب الله"فما أصبرهم على النار". وذلك لأنهم نقضوا عهد الله وميثاقه في الصدع بالحق. قال

(1) المرجع السابق نفسه، ص 124.

(2) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 160.

(3) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 174 - 175.

(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 157.

(5) المرجع السابق نفسه، ص 158.

(6) المرجع السابق نفسه، ص 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت