الصفحة 96 من 117

خسيس وعرض من الدنيا قليل" [1] ، فتقعدكم الدنيا عن حمل الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في الدولة. وبين القرطبي أن الآية الكريمة"وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم" [2] ، ثم ذكر قصة سليمان بن عبدالملك مع أبي حازم الذي سأله سليمان أسئلة مختلفة وهو يجيب بصراحة وجرأة، فسأله:"

"فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: يا أمير المؤمنين أو تعفيني؟ قال له سليمان: لا! ولكن نصيحة تُلقيها إليّ. قال: يا أمير المؤمنين، إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم، حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، فقد ارتحلوا عنها، فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم!. فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم! قال أبو حازم: كذبت، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليُبيننَّه للناس، ولا يكتمونه" [3] .

وقد رفض أبو حازم مالًا بعثه إليه سليمان بن عبدالملك وعلى ذلك يعلق القرطبي بقوله:

"هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء، انظر إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم، كيف لم يأخذ على عمله عوضًا، ولا على وصيته بدلًا، ولا على نصيحته صفدًا، بل بيّن الحق وصدع، ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع" [4] .

وذلك مصداق قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [5] ؛ فقد حذر الله سبحانه وتعالى العلماء من كتمان العلم، وتوعد كاتم العلم باللعن، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [6] ، ففي هذه الآية الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى:

"أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى ملعون. واختلفوا من المراد بذلك، فقيل: أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد كتم اليهود أمر الرجم، وقيل: المراد كل من كتم الحق فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قوله - صلى الله عليه وسلم:"من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" [7] ."

(1) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، الجزء الأول، ص 253.

(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، المجلد الأول، ص 228.

(3) المرجع السابق نفسه، ص 231.

(4) المرجع السابق نفسه، ص 232.

(5) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 42.

(6) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 159.

(7) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت