الصفحة 90 من 117

فهذه الآية الكريمة أنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام عامة في حكمها إلى يوم القيامة، وقد جعل الله تعالى بهذه الآية المهاجرين إلى دار الإسلام والذين آووا ونصروا ممن كان تحت سلطان الدولة"أولياء"، أي إظهارًا ونصرة يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات، ولذلك يستدل من الآية الكريمة على أن:

"... الأصل أن يكون المجتمع المسلم كلًا لا يتجزأ، وجماعة لا تفترق، ووحدة لا تنفصم. والأصل أيضًا أن يفتح المجتمع المسلم أبوابه لتقبل كل من يدين بالإسلام بلا فارق أو تمييز على أساس من اللون، أو العرق، أو النشأة أو مكان الولادة أو غير ذلك من الفوارق الجاهلية؛ فبلاد الإسلام هي المأوى الشرعي لكل مسلم، فالدخول إلى دار الإسلام حق شرعي لكل مسلم على المسلمين جميعًا، لا فضل لهم بذلك أو منة إذا كانوا مسلمين يطبقون الإسلام تطبيقًا صحيحًا" [1] .

أما المسلم غير المهاجر فليس له في ذلك حق إلا بعد هجرته: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} ، ولكن له حق النصرة، وفرض على الدولة عدم خذلانه، إلا عند وجود ميثاق ومعاهدة بين الدولة الإسلامية ودول الكفر، فلا ينتصر له حينئذ بنقض العهد. كما قال تعالى أيضًا مخاطبًا المؤمنين الذين ينعمون بشرعه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [2] ، فجعل عز وجل بهذه الآية المهاجر للمؤمنين مثلهم في الحقوق والواجبات والنصر والموالاة. وحيث أن الآية جعلت النصرة والموالاة وحق التابعية للمسلم المهاجر، لذا فإن من يأتي للإقامة المؤقتة لا يكون له هذا الحق، وإنما له حق النصرة إذا ما جرى اضطهاده أو ظلمه خارج دار الإسلام.

كما ثبت في الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بدعوة المشركين إلى الإسلام، والتحول من دار الكفر إلى دار الإسلام، وأكد على أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، ومنها: حق المسلم المهاجر في التابعية، وأما غير المهاجرين فإن لهم حق الإسلام، وليس لهم حق رعاية الشئون أو حق الرعوية، حيث عبر عليه الصلاة والسلام عن ذلك بأن غير المهاجر ليس له"في الغنيمة والفيء شيء".

كما ثبت بالسنة، أيضًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ البيعة من الأنصار والمهاجرين، وكان إذا قدم إليه أحد أخذ عليه البيعة مما يفيد أن العيش الدائم في دار الإسلام يترتب عليه حمل التابعية والقيام

(1) محماس بن عبدالله بن محمد الجلعود، الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، الجزء الأول، (الرياض: د. ت، 1407 هـ - 1987 م ص ص 283 - 284.

(2) القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت