وقد أكد الفقهاء أن الأمان في الأصل نوعان: أمان مؤقت يتحصل بدخول الحربي دار الإسلام بأمان، أما الثاني فهو أمان مؤبد وهو عقد الذمة الذي يحدد حقوق وواجبات الذميين في الدولة الإسلامية وهو عقد ينتج آثارًا قانونية منها: الكف عنهم، وتوفير الحماية لهم،"ليكونوا بالكف آمنين، وبالحماية محروسين" [1] . ويترتب على عقد الذمة عصمة النفس والمال، وقد جاء عن علي رضي الله عنه قوله:"إنما قبلوا عقد الذمة، لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا" [2] . وقد أشار الكاساني إلى أن صفة العقد لازم في حق المسلمين، ولا يجوز لهم نقضه مطلقًا. أما في حق الذميين فغير لازم، ولكن إتمامه لا يجيز نقضه إلا بأحد أمور ثلاثة، منها: إسلام الذمي أو لحاقه بدار الكفر، أو محاربته للمسلمين [3] . ولذلك فحرمان الذمي من حق الرعوية يجعله عديم الهوية، ويحرمه من حق الانتماء للدولة الإسلامية التي رضي بإقامة أحكامها بموجب عقد الذمة.
ومن ثم، فالذمي بقبوله أحكام الإسلام، وبالإقامة الدائمة في دار الإسلام، يصبح جزءًا من شعب الدولة الإسلامية، ويحمل رعويتها [4] . ومن منطلق كون الدولة الإسلامية دولة دعوة، تهدف إلى تحويل كل دار كفر إلى دار إسلام فمن باب أولى قيامها بمنح رعويتها لمن أراد الإقامة الدائمة فيها.
كما يمكن التأكيد، من استقراء المفاهيم الشرعية السابقة، أن الأصل في النظام الإسلامي منح الرعوية، وليس منعها عمن يرغب في الحصول عليها. وقد جاءت الآيات والأحاديث الصريحة التي تبين هذه المعاني والمفاهيم. فمن ذلك قوله عز وجل: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [5] ، فالأصل كون الناس على دين الله في أمة واحدة محكومة بشرعه، ونزول الكتاب بالحق بعد اختلافهم عن دين الله إنما هو للحكم بينهم، وإعادتهم أمة واحدة. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [6] .
(1) الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص 183.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، مرجع سابق، الجزء السابع، ص 111.
(3) المرجع السابق نفسه، ص ص 112 - 113.
(4) وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 177.
(5) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 213.
(6) سورة الأنفال، آية 72.