الصفحة 84 من 117

وقد اختلف الفقهاء في دار الإسلام وبماذا تصير دار كفر؛ فذهب أبو حنيفة إلى أن الدار تصير دار كفر بشروط ثلاثة وهي: ظهور أحكام الكفر فيها، ومتاخمتها لدار الكفر، وان لا يأمن فيها المسلم والذمي بأمان الإسلام، أما أبو يوسف ومحمد فقد أكدا أن الدار تصير دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها [1] . وقد وصف الفقهاء، أهل الدولة الإسلامية بأهل دار الإسلام، والحربيين بأهل دار الحرب، وحددوا الرابطة السياسية والقانونية التي تربط الأفراد بالدولة الإسلامية، ومن ذلك يستدل على أن الإسلام قد عرف رابطة الرعوية المنظمة لحقوق الأفراد وواجباتهم، تجاه دولة دار الإسلام [2] .

ولكن الشريعة الإسلامية بوصفها وحيًا من الله تعالى، لا يختص بها قوم دون قوم أو جنس دون جنس تقر مفهوما للرعوية يضاد مفهوم الجنسية القومي، حيث يقوم مفهوم الرعوية الإسلامي على الارتباط بمفهوم دار الإسلام الذي يجعل غاية الدولة إقامة أحكام الشرع على الناس، وأن ينعم الكافة بحكم الشريعة، ولما كانت الدولة تقوم على العقيدة والشريعة الإسلامية، وكانت الشريعة تقر مبدأ: لا فضل لإنسان على آخر إلا بالتقوى، وتسوي في ذلك بين البشر وتلغي اعتبار اللون والجنس والعنصر والمولد وغير ذلك مما تقوم عليه الدول الوضعية عند تقويمها للإنسان فإن حق الرعوية وحمل التابعية يكون حقًا إنسانيا راجعًا إلى الإنسان نفسه، برضاه ورغبته في الإقامة والاستقرار، وطلب العيش الدائم تحت سلطان الإسلام وحكم شريعته، ولذا فإن كل من رضي بأحكام الشرع، وانقاد له ممن يعيش عيشًا دائمًا في دار الإسلام، سواء كان مولودًا بها، أو مهاجرًا إليها وسواء كان مسلمًا أو غير مسلم، يحق له الحصول على رعوية الدولة وحمل تابعيتها، ولذلك يناقض الإسلام الفكر القومي المبني على تمييز جماعة عن أخرى والفكر الوطني المميز للمواطن عن غيره من الأجانب، ولذلك يحرم الإسلام بناء الرعوية على الفكر القومي أو الوطني.

ولا يقر الإسلام، كذلك نظرية الجنسية الغربية لتمييزها بين الجنسية الأصلية والجنسية المكتسبة، حيث تجعل الأنظمة الوضعية لصاحب الجنسية الأصلية حقوقًا أكثر مما تقر للمتجنس، بينما لا يفرق الإسلام بين حصول الرعوية بحق الدم أو حق الإقليم، ولا يفرق بين الحاصل عليها بالولادة والحاصل عليها بالهجرة.

وبالإضافة إلى اختلاف مفهوم الرعوية في النظام الإسلامي عنه في النظام الغربي، فإن التكييف القانوني للرعوية يختلف في النظامين، حيث أن الإسلام يجعل طرف الرعوية الفرد نفسه، بصفته الإنسانية

(1) المرجع السابق نفسه، ص ص 130 - 131.

(2) عبدالكريم زيدان، أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام. (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1402 هـ - 1982 م، ص ص 61 - 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت