الصفحة 83 من 117

4.تدفع الجنسية نحو التفتيت والتجزئة، وتبعث على التفرقة بين الناس، وزيادة الحركات الانفصالية [1] ، خاصة وأنها تنطلق من فكرة حق تقرير المصير، وإقامة الكيانات السياسية المتعددة بتعدد الأمم والمصالح.

ولذلك فنظام الجنسية الغربي يسقط حتى مفهوم الأمة القومي بتأصيله للرابطة الوطنية، وللولاء السياسي على حساب الرابطة القومية.

الرعوية في النظام السياسي الإسلامي:

لا يقر الإسلام الرابطة الروحية المحضة، وذلك لأن إقامة أحكام الشرع تتطلب قيام رابطة سياسية. وقيام الوحدة السياسية التي تطبق الشرع، يحتم وجود رابطة سياسية بين أفرادها تتجاوز إطار"الأخوة الدينية" [2] ؛ وذلك لأن الأخوة رابطة تصلح فقط لوصف علاقة المسلمين الروحية بعضهم ببعض، والأمر يتطلب تحليل العلاقة التي تربط الأفراد المكونين للدولة، وهي التي اصطلحنا على تسميتها رابطة"الرعوية الإسلامية"، وذلك في مقابل رابطة الجنسية القومية في الفكر الغربي.

لقد أقامت الشريعة الإسلامية رابطة سياسية ترتب عليها حقوق وواجبات محددة، بالنسبة للأفراد المكونين للدولة، وإن كان الفقهاء لم يستخدموا كلمة الجنسية الحديثة النشأة والمرتبطة بالفكر الغربي، فإنهم أقروا وجود رابطة سياسية محددة ولذلك لا مجال لإنكار فكرة الرابطة المؤدية إلى قيام الرعوية كما أشار من ذكر"أن الشريعة الإسلامية والدولة الإسلامية لا تعرفان الجنسية" [3] ؛ فلقد حدد الفقهاء الإطار السياسي للدولة الإسلامية بما يسمى دار الإسلام وحددوا حقوق وواجبات أهل دار الإسلام، وعرفوا دار الحرب، ودار العهد وشروطهما [4] . وكل ذلك يدل على أن الفقهاء قد تناولوا رابطة الرعوية بالتفصيل؛ فقد أشار الكاساني في معرض حديثه عن اختلاف الأحكام باختلاف الدارين، وهما دار الإسلام ودار الكفر إلى أنه"لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها" [5] .

(1) المرجع السابق، ص 48.

(2) محمد شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، (بيروت: دار الشروق، 1403 هـ - 1983 م، ص 433.

(3) أحمد قسمت الجداوي، الجنسية ومركز الأجانب، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1982 - 1983 م هامش ص 65.

(4) الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص ص 174 - 175.

(5) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مرجع سابق، الجزء التاسع، ص 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت