مساوئ الجنسية القومية:
يتضح مما سبق أن مفهوم الجنسية القومي ليس وليد مبدأ عقلي صحيح أو فكر إنساني عالمي وإنما"يعد وليد تطور خاص بالبلاد الأوروبية في عصورها الوسطى" [1] ، ونشأ استجابة للروح الانفصالية التي سادت في النظام الإقطاعي الأوروبي والتي أفرزت في مرحلة لاحقة الدول القومية الأوروبية، ثم تركز مفهوم الجنسية ورسخ المفهوم منذ القرن الثامن عشر الميلادي، مع بروز عصر الرأسمالية، حيث أدت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها أوروبا إلى:
"... وضع الجنسية أو القومية في إطار التشريع والتقنين ... (و) أن يتسابق كل حاكم في تجميع رعاياه تحت شعار القومية ... وجاءت بواكير هذه التشريعات ... (في) أوائل القرن التاسع عشر لتضفي على الجنسية طابعًا سياسيًا ودستوريًا، وتجعلها منحة من منح الدولة تهبها لمن تشاء وتسلبها عمن تشاء" [2] .
وقد أدى ارتباط مفهوم الجنسية بالرابطة القومية، إلى قيام الاستعمار والصراعات الدولية التي كان أبرزها الحربين العالميتين الأولى والثانية وترتب على تبني نظام الجنسية القومي عدد من المساوئ نذكر منها:
1.ترسيخ العداء، وذلك لأن الجنسية تجعل العداء مشروعًا بين الدول، فهي تقوم على فكرة إقرار حق كل دولة فيما لديها من ثروات طبيعية:
"وهي من أجل ذلك تنظر إلى الآخرين، على أنهم يتطلعون إلى هذه الثروات، لأنهم أجانب طبعا، والأجنبي ليس له الحق في أن يتمتع بشيء منها، وما دام الأمر كذلك، فلا بد من وضع القيود الشديدة، لمنع هؤلاء الأجانب، أو للحد من وجودهم، ولو كانوا أبناء ملة واحدة أو دين واحد" [3] .
2.تدفع الجنسية نحو تأصيل الأثرة والاستعلاء، وتزيد من حرص الدولة على مصالحها المادية الضيقة، وقد نعى الله سبحانه وتعالى على من يفعل ذلك بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} ؟ [4] .
3.تؤدي أنظمة الجنسية إلى سيطرة الحكام وتسلطهم:
"حيث يستطيع الحاكم أن يمنح الجنسية لمن يشاء ويسقطها عمن يشاء، ويتطور الأمر في العلاقة بين الحكام والمواطنين إلى أن يظن الحكام أنهم هم السادة والرعايا هم العبيد" [5] .
(1) أحمد حمد أحمد، فقه الجنسيات، دراسة مقارنة في الشريعة والقانون، (طنطا: دار طنطا الجامعية، 1406 هـ - 1407 هـ، ص 17.
(2) المرجع السابق، ص ص 32 - 33.
(3) المرجع السابق، ص 45.
(4) القرآن الكريم، سورة يس، آية 47، راجع كذلك، المرجع السابق، ص ص 46 - 47.
(5) المرجع السابق، ص 47.