الصفحة 74 من 117

قال مالك؟ قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرًا أحبط عمله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله. إن له لأجرين - وجمع بين إصبعيه - إنه لجاهد مجاهد، قلّ عربي مشى بها مثله" [1] ."

أما بالنسبة للحالة الثانية والمتعقلة بقيام المجاهد بقتل نفسه كجزء من العملية الفدائية، فقد اختلف في حكمها، فقد ربطها بعضهم بالانتحار المحرم شرعًا، وأجروا عليها حكم الانتحار، فقد ذكر حسن أيوب أن الفدائي"لا يجوز أن يلتف بحزام ناسف لينسف نفسه ومن بجواره"، وبين أن السبب يعود إلى أن عمله فيه"قَتْلُ نفسه أولًا، ليقتل غيره، وقد لا يقتل هذا الغير لسبب من الأسباب، وإقدامه على قتل نفسه ابتداء لا يحل في مثل هذه الظروف" [2] .

والواقع أن الشرع حينما قرر تحريم قتل النفس، بين أن قتل النفس المحرم ما كان عدوانًا وظلمًا ويأسًا من الحياة وطلبًا للموت لذاته، للتخلص من متاعب الحياة من مرض أو فقر أو دين أو فضيحة أو غير ذلك. قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [3] ، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا} ،"أي: من يتعاطى مانهاه الله عنه معتديًا فيه ظالمًا في تعاطيه، أي عالمًا بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه" [4] .

ومن ثم فقتل النفس المحرم شرعًا ما كان متضمنًا لتجاوز الحد، والاعتداء بظلم على النفس، وهذا الضابط الشرعي المبين في الآية الكريمة يقيد قتل النفس المحرم بما كان عدوانًا وظلمًا ورغبة في التخلص من الحياة فقط. أما قتل الأعداء الذي يؤدي إلى قتل المجاهد وهو الفعل المرتبط بالجهاد في سبيل الله فليس الغرض منه الانتحار وإنما الهدف منه إعلاء كلمة الله وإذلال الكفار وإرهابهم؛"فقتل النفس"كوصف لهذا الفعل لا محل له على الإطلاق ما دام انتفى شرط"الرغبة في التخلص من الحياة"، الذي رتب العلماء على وجوده كون الفعل قتلًا للنفس" [5] . وقد ذكر يوسف القرضاوي في معرض تعليقه على العمليات الاستشهادية التي قام بها شباب من حركة المقاومة الإسلامية حماس ضد"

(1) المرجع السابق نفسه، ص 464.

(2) حسن أيوب، الجهاد والفدائية في الإسلام، (بيروت: دار الندوة الجديدة، 1403 هـ - 1983 م، ص 164.

(3) القرآن الكريم، سورة النساء، آية 29 - 30.

(4) مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الأول، ص 379.

(5) قراءة في فقه الشهادة، مجلة المجتمع، العدد 1200، 3 محرم 1417 هـ - 21/ 5/1996 م، ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت