الصفحة 73 من 117

ويؤكد النووي أن في الحديث"جواز الانغمار في الكفار، والتعرض للشهادة، وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء" [1] ، وعن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال:"من يردهم عنا وله الجنة"أو"هو رفيقي في الجنة"؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم رهقوه أيضًا فقال:"من يردهم عنا وله الجنة"أو"وهو رفيقي في الجنة"؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قُتل السبعة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما أنْصفنا أصْحابَنَا" [2] .

وبالإضافة إلى حث المجاهدين على التضحية في سبيل الله أشار الفقهاء إلى أن المجاهد في سبيل الله الذي يعلم أنه لو وقع في يد العدو، فإنه يعذب وينكل به ثم يقتل، فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، لأن في قيامه بمقاتلة الأعداء وإرهابهم إعزاز ونصرة لدين الله، وقد ذكر ابن قدامة أن المرء"إذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، ولا يسلم نفسه للأسر، لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة" [3] . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

"بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت - وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب - فانطلقوا حتى إذا كان بين عُسفان ومكة، ذُكروا لحي من هُديل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا هذا تمر يثرب، فتتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فَدْفَدْ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل .." [4] .

كما أن المجاهد الذي يقتل نفسه خطأ أثناء العمليات الاستشهادية، أو أثناء القتال، فإنه شهيد، فلو أخطأ المجاهد في نزع فتيل القنبلة فانفجرت في وجهه وقتلته، أو لو رمى العدو برصاصة فارتدت عليه فقتلته، فهو شهيد ما دام يقاتل في سبيل الله، وقد ذكر سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ما حدث لأخيه عامر بن الأكوع في غزوة خيبر بقوله:

"... فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرًا فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذُباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه. قال: فلما قفلوا قال سلمة: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيدي."

(1) المرجع السابق نفسه، ص 46.

(2) المرجع السابق، الجزء الثاني عشر، ص 147، ورهقوه: دنوا واقتربوا منه (المعجم الوسيط.

(3) ابن قدامة، المغني مع الشرح الكبير، مرجع سابق، الجزء العاشر، ص 553.

(4) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، المجلد السابع، ص 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت