الصفحة 72 من 117

وقد أكد القرطبي جواز حمل الرجل وحده على الجيش إذا كان خالصًا نيته لله سبحانه وتعالى، وقد أكد ذلك ابن خويز منداد بقوله:

"فأما أن يحمل الرجل على مائة، أو على جملة العسكر، أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يُقتل، ولكن سُينكي نكاية أو سيُبلي، أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا، وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم، فصنع فيلًا من طين وأنّس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها، فقيل له إنه قاتلك. قال: لا ضير أن أُقتل ويُفتح للمسلمين" [1] .

ومن ثم فالاستشهاد المؤدي إلى قهر العدو والنكاية بهم، أو تجرية المسلمين عليهم، أو تحقيق النصر على الأعداء المحاربين جائز حتى لو أدى إلى قتل الفدائي، فلا بأس أن تقوم الدولة بدفع بعض الناس للقيام بمثل تلك العمليات أو تشجيعهم عليها ولا بأس بأن يقوموا بها من عند أنفسهم بدافع طلب الشهادة في سبيل الله، وقد ذكر الطبري أن المسلمين ألجؤوا أنصار مسيلمة الكذاب إلى الحديقة في اليمامة:

"وفيها عدو الله مسيلمة الكذاب، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين، ألقوني عليهم في الحديقة، فقال الناس: لا تفعل يا براء، فقال: والله لتطرُحني عليهم فيها، فاحُتُمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار، اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة ثم فتحها للمسلمين، ودخل المسلمون عليهم فيها، فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدو الله" [2] .

وقد حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على طلب الشهادة في سبيل الله، ففي غزوة بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"فقال له عمير بن الحمام الأنصاري"يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض. قال: نعم. قال بخ بخ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخ بخ، قال:"لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها"فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة. قال فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل" [3] .

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 242، ونكى العدو نكاية: أوقع به، وغلبه وهزمه (المعجم الوسيط.

(2) الطبري، تاريخ الطبري، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 279.

(3) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثالث عشر، ص ص 45، 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت