وجاء عن البراء بن عازب تأويل آخر للآية أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح، عن إسحاق قال:"قلت للبراء: أرأيت قول الله عز وجل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف؟ قال:"لا، ولكنه الرجل يذنب فيلقى بيده ويقول لا توبة لي" [1] ."
ثم ذكر ابن حجر بعد ذلك رأيه بقوله:
"وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة، فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين" [2] .
ولذلك فللدولة الإسلامية استخدام الفرق الجهادية الاستشهادية، لتحقيق أغراض السياسة الحربية، فإذا كان النصر على الأعداء أو إرهابهم، يقتضي التضحية بالروح في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، فهذا أمر حسن ما دام فيه تحقيق لأغراض جهادية، وقد ذكر الشيباني ذلك بقوله:
"ولو أن مسلمًا حمل على ألف رجل وحده فإن كان يطمع أن يظفر بهم أو ينكأ فيهم، فلا بأس بذلك، لأنه يقصد بفعله النيل من العدو ... وإن كان لا يطمع في نكاية، ولكنه يُجرِّئ بذلك المسلمين عليهم، حتى يُظهر بفعله النكاية في العدو، فلا بأس بذلك، إن شاء الله تعالى، لأنه لو كان على طمع من النكاية بفعله جاز له الإقدام، فكذلك إذا كان يطمع في النكاية فيهم بفعل غيره، وكذلك إن كان في إرهاب العدو وإدخال الوهن عليهم بفعله، فلا بأس به، لأن هذا أفضل وجوه النكاية، وفيه منفعة للمسلمين، وكل واحد يبذل نفسه لهذا النوع من المنفعة" [3] .
كما بين ابن العربي أن حمل الرجل وحده على الجيش العظيم جائز:
"لأن فيه أربعة أوجه: الأول: طلب الشهادة."
الثاني: وجود النكاية، الثالث: تجرية المسلمين عليهم، الرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع، والفرض لقاء واحد اثنين وغير ذلك جائز" [4] ."
(1) المرجع السابق نفسه، ص 185.
(2) المرجع السابق نفسه، ص ص 185 - 186.
(3) الشيباني شرح السير الكبير، مرجع سابق، الجزء الرابع، ص ص 1512 - 1513.
(4) ابن العربي، أحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الأول، ص 166.