ويمكن، من خلال دراسة الأعمال الجهادية الاستشهادية القول إنها تنقسم إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: يتضمن الأعمال الجهادية التي تؤدي إلى قتل المسلم عن طريق العدو، كالانغماس في صفوف الأعداء، أو الحمل عليهم، أو عن طريق الخطأ أثناء تنفيذ عملية فدائية استشهادية.
القسم الثاني: يتمثل في قيام الفدائي بقتل نفسه كجزء من العملية الفدائية حيث إن الهدف لا يتحقق إلا بمثل هذه الوسيلة.
أما بالنسبة للحالة الأولى، فقد أجمع الفقهاء على جواز الانغماس في الكفار طلبًا للشهادة في سبيل الله، وقيام المرء بالأعمال الجهادية الاستشهادية التي تؤدي إلى قتله أو تحمل خطرًا على حياته لا علاقة لها"بالتهلكة"الواردة في قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [1] ، ذكر البخاري أن حذيفة بن اليمان قال:"نزلت الآية في النفقة". وقد فسر ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري الذي أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داوود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أسلم بن عمران قال:
"كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم رجع مقبلًا، فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرًا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها" [2] .
وروى ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال:"إني لعند عمر، فقلت إن لي جارًا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا" [3] .
(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 195.
(2) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، الجزء الثامن، ص 185.
(3) المرجع السابق نفسه، ص 185.