الصفحة 66 من 117

شديدة لا يقوى عليهم المسلمون، فحينئذ لا بأس بأن يوادعوهم إلى أن يظهر للمسلمين قوة ثم ينبذ إليهم ... وكذلك لو قالوا للمسلمين: وادعونا على أن نعطيكم في كل سنة مالًا معلوما على أن تجروا علينا أحكامكم، فليس ينبغي الموادعة على ذلك، لأنهم لا يلتزمون شيئًا من أحكامنا، وإنما ينتهي القتال بعقد الذمة لما فيه من التزام أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، والرضا منهم بالمقام في دار الإسلام مقهورين، ولما فيه من ترك المحاربة أصلا ... إلا أن يكون لهم شوكة شديدة فحينئذ تجوز الموادعة معهم ..." [1] ."

يتضح من أقوال العلماء والفقهاء السابقة أن الآية الكريمة تعالج حالة الصلح مع الكفار وهي حالة باقية إلى يوم القيامة، حالها كحال الجهاد الذي تعالجه آيات الجهاد. ولا يوجد في الآية ما يدل على الحرب الدفاعية أو الاستسلام للكفار ومهادنتهم بلا سبب، وقد بين الفقهاء أن الصلح مرتبط بحالة المسلمين السياسية وليس واجبًا عليهم كلما دعاهم الكفار إلى ذلك أجابوهم كما أشار محمد عزة دروزة وغيره ممن أكد عدم جواز استمرار الحرب متى لاحت فرصة السلام أو جنح العدو للسلام.

وبناء على ما سبق، يمكن القول: إن الجهاد في الإسلام هو قتال الكفار مطلقًا ويشمل ذلك قتال الدفاع وقتال الطلب فقد أشار المودودي إلى أن الجهاد في الإسلام هجومي ودفاعي:

"هجومي لأن الحزب الإسلامي يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام ويريد قطع دابرها، ولا يتحرج في استخدام القوى الحربية لذلك، وأما كونه دفاعيا فلأنه مضطر إلى تشييد بنيان المملكة وتوطيد دعائمها حتى يتسنى له العمل وفق برنامجه وخطته المرسومة" [2] .

ومن ثم فلا يصح مطلقًا قصر الجهاد على الدفاع، وذلك لأن المسلمين أمة تحمل عقيدة تريد تطبيقها في الواقع، والجهاد في سبيل الله هو الطريقة الشرعية لحمل الإسلام حملًا عقيديًا للعالم، فهو"ذروة سنام الإسلام"، وهو"ماض إلى يوم القيامة"كما أكدت ذلك الأحاديث الصحيحة، ومن ثم فبقاء الإسلام عقيدة حية نابضة في قلوب المسلمين يقتضي حمل الإسلام إلى الشعوب والأمم الأخرى، بهدف إطلاعها على المبدأ الإسلامي، ونشره في أرجاء المعمورة:

"إن العقيدة الإسلامية التي رأت النور بين شعب واحد، وانتشرت حتى عمت أقوامًا أخرى، استخدمت الدولة أداة لتحقيق هدفها النهائي، ألا وهو هداية البشرية لاعتناق الإسلام. وعليه فقد"

(1) الشيباني، شرح السير الكبير، مرجع سابق، الجزء الأول، ص ص 190 - 191.

(2) أبو الأعلى المودودي، الجهاد في سبيل الله، (بيروت: مؤسسة الرسالة 1403 هـ - 1983 م، ص ص 40 - 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت