"فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل ... وقول الله في براءة: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} غير ناف حكمه حكم قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} .. فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه" [1] .
يقول ابن العربي:
"وأما من قال: إن دعوك إلى الصلح فأجبهم، فإن ذلك يختلف الجواب فيه، وقد قال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} ، فإذا كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به، أو ضر يندفع بسببه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه" [2] . وقد أكد هذا المعنى ابن حجر العسقلاني بقوله:"إن هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين .. ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرًا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا" [3] .
وانتهى الأوزاعي والشافعي إلى تقييد حق الصلح بالضرورة فقد ذكر الأوزاعي عند سؤاله عن موادعة أهل الحرب بأنه"لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم". وقال الشافعي:
"إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم، لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفوا عنهم، إلا في حالة مخافة اصطدام المسلمين، لكثرة العدو لأن ذلك من معاني الضرورات" [4] .
وقيد ابن كثير جواز الصلح بكثرة عدد العدو، قال:"فأما إن كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم" [5] ، كما قيد الشيباني جواز الصلح بالضرورة فقال:
"وإن قالوا للمسلمين: وادعونا على أن لا نقاتلكم ولا تقاتلونا فليس ينبغي للمسلمين أن يعطوهم ذلك، لقوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} ، ولأن الجهاد فرض، فإنما طلبوا الموادعة على أن تترك فريضة، ولا يجوز إجابتهم إلى مثل هذه الموادعة، ... إلا أن يكون لهم شوكة"
(1) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، الجزء العاشر، ص 34.
(2) ابن العربي، أحكام القرآن، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 427.
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، المجلد السادس، ص ص 275 - 276.
(4) نقلًا عن المرجع السابق نفسه، ص 276 واصطلام معناها: استئصال، إبادة (المعجم الوسيط.
(5) مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 116.