الصفحة 64 من 117

شيء، فبعث رجلًا فقال:"انظر علام اجتمع هؤلاء"؟ فجاء فقال: على امرأةٍ قتيل فقال:"ما كانت هذه لتقاتل"، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا فقال:"قل لخالد لا يقتل امرأة، ولا عسيفًا" [1] ، كما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله: اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا) [2] .

وبناء على ما سبق، يكون معنى الآية الكريمة النهي عن مجاوزة المقاتلين إلى غيرهم ممن لا يشتركون في القتال، وليس معناها: عدم الاعتداء على الكفار مطلقًا، أما الفقهاء الذين أكدوا أن آية عدم الاعتداء مرحلية فيرون أنها منسوخة، وفي ذلك يقول ابن القيم:"ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك، لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم ... ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وكان محرمًا، ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين" [3] ونحى الشيباني المنحى ذاته بقوله:

"إن الأمر بالجهاد والقتال نزل مرتبًا. فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا في الابتداء بتبليغ الرسالة، والإعراض عن المشركين ... ثم أمر بالمجادلة بالأحسن ... ثم أذن لهم في القتال ... ثم أمروا بالقتال إن كانت البداية منهم ... ثم أمروا بالقتال بشرط انسلاخ الأشهر الحرم ... ثم أمروا بالقتال مطلقًا ... فاستقر الأمر على هذا" [4] .

وسواء أخذنا بالرأي الأول أو الثاني من أقوال الفقهاء، فإن أيًا منهما لم يتضمن الإشارة إلى أن الحرب المشروعة هي الحرب الدفاعية فقط."وبهذا يظهر مخالفة أهل الدفاع لتفاسير السلف جميعًا، والإتيان بتفسير محدث من أهوائهم" [5] .

أما قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} فيعالج حالة مخصوصة وهي السلم، والحرب والسلام حالتان قائمتان في الشرع الإسلامي، وفي العلاقات الدولية الإسلامية، ولا تدل الآية على الحرب الدفاعية مطلقًا، كما تصور المنادون بذلك. وقد اختلف الفقهاء في تفسير الآية. قال قتادة، وعكرمة، والحسن البصري، وابن زيد: إن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد في سورة براءة. أما السدي وابن إسحاق، فقد أكدا أن الآية محكمة. قال السدي:"وإن أرادوا الصلح فأرده"، وقيد ابن إسحاق الصلح بقبول الإسلام، قال:"أي إن دعوك إلى السلم إلى الإسلام، فصالحهم عليه". قال الطبري:

(1) صحيح أبي داود، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 507.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 37.

(3) ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، مرجع سابق، الجزء الثالث، ص ص 70 - 71.

(4) الشيباني، شرح كتاب السير الكبير، مرجع سابق، الجزء الأول، ص 188.

(5) العُلياني، أهمية الجهاد، مرجع سابق، ص 328.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت