الصفحة 63 من 117

أخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية. فقال أبو بكر: لقد علمت أنه سيكون قتال" [1] كما أشار ابن العربي إلى:"

"أن الله سبحانه لما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بالحجة دعا قومه إلى الله دعاء دائمًا عشرة أعوام، لإقامة حجة الله سبحانه ... واستمر الناس في الطغيان، وما استدلوا بواضح البرهان. وحين أعذر الله بذلك إلى الخلق، وأبوا عن الصدق، أمر رسوله بالقتال، ليستخرج الإقرار بالحق منهم بالسيف" [2] .

ولذلك فليس الظلم المذكور في الآية هو علة القتال، وإلا لكان الأمر بالقتال نزل في مكة، فالآية الكريمة تضمنت الإذن المطلق بقتال المشركين، بعد أن أصبحت لهم دولة وكيان سياسي مستقل في المدينة.

أما قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} فقد ذكر ابن العربي أن فيه ثلاثة أوجه:

الأول: وهو عدم قتال من لم يقاتل المسلمين، وقد نسخت بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} .

الثاني: أن معنى (ولا تعتدوا) "أي لا تقاتلوا على غير الدين".

الثالث:"عدم قتال إلا من قاتل من الرجال البالغين" [3] .

وقد بين ابن كثير أن معنى الآية الكريمة:

"أي قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي من المثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة" [4] .

وقد أكد ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد أن قوله تعالى (وَلَا تَعْتَدُوا) يقصد منه عدم جواز التعدي بقتل النساء والصبيان والرهبان والشيوخ، وغيرهم ممن لا يشتركون في القتال [5] ، عن نافع عن عبدالله"أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقتولة، فأنكر سول الله - صلى الله عليه وسلم -، قتل النساء والصبيان" [6] ، وعن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 46.

(2) ابن العربي، أحكام القرآن، مرجع سابق، المجلد الثالث، ص 300.

(3) ابن العربي، أحكام القرآن، مرجع سابق، المجلد الأول، ص ص 147 - 148.

(4) مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الأول، ص 170.

(5) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 232.

(6) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت