الصفحة 62 من 117

"كل الوسائل والأساليب المتاحة من أجل إقناع الناس بالدخول في الإسلام .. فإن تأبوا على الإسلام دعوا إلى إعطاء الجزية، أي دعوا إلى الخضوع للدولة الإسلامية بما يترتب على ذلك من تكاليف والتزامات، فإن رفضوا، ولم تر الدولة الإسلامية مصلحة من عقد معاهدة سلام معهم ... حينئذ، يجوز إعلان القتال عليهم، من أجل تطبيق الحكم الإسلامي عليهم بالقوة، على اعتبار أن تطبيق الحكم الإسلامي على الناس هو نوع من الدعوة إلى الإسلام ..." [1] .

ثانيًا: استدل المنادون بقصر الجهاد على الحرب الدفاعية، بعدد من الأدلة الشرعية التي استنبطوا منها، خطأ، أن الإسلام لا يقر إلا الحرب الدفاعية فقط. وهذه الأدلة هي قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [2] ، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [3] ، وقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [4] .

والواقع أن هذه الأدلة الشرعية لا تدل مطلقًا على أن الشرع قصر الجهاد على الحروب الدفاعية دون غيرها، ولا يصح الاستدلال من ذلك على أن أي حرب غير دفاعية تعد غير مشروعة، مجاراة لمفاهيم الغرب عن الحروب وأنواعها، والمشروع منها وغير المشروع.

ذكر ابن القيم أن قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} ، يتضمن الأمر المطلق بقتال الكفار، وفيها إذن من الله سبحانه وتعالى بقتال المشركين بعد أن استقر بهم الأمر في المدينة، ولو أن الآية نزلت لدفع الظلم، كما يدعي المنادون بقصر الجهاد على الدفاع، والذي منه دفع الظلم والأذى، لنزلت في مكة، فالله سبحانه وتعالى"لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال في مكة"، فالآية الكريمة فيها أمر من الله"بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة" [5] ، وذكر القرطبي أنها أول آية نزلت في القتال وفيها الإذن المطلق بالقتال. روى النسائي والترمذي عن ابن عباس قال:"لما"

(1) المرجع السابق نفسه، ص 812.

(2) القرآن الكريم، سورة الحج، آية 39.

(3) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 190.

(4) القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية 62.

(5) ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب وعبدالقادر الأرنؤوط، الجزء الثالث، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1407 هـ - 1987 م، ص ص 70 - 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت