الصفحة 67 من 117

كان لا بد للدولة الإسلامية من التوسع والسعي باستمرار إلى ضم شعوب أخرى، ومنذ البدء كان الشاغل الأول الذي استأثر باهتمام الفقهاء، هو قانون الحرب، أي الجهاد" [1] ."

هذا السعي إلى ضم الأمم والشعوب إلى حظيرة الإسلام وتوسيع رقعة"دار الإسلام"، إنما ينطلق ليس من كون الإسلام دعوة توسعية استعمارية وإنما من كونه:"فكرة انقلابية ومنهاجًا انقلابيًا يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره، ويأتي بنيانه من القواعد" [2] ، فمن طبيعة نظام الإسلام:

"ومما يستدعيه وجوده أن لا يألو جهدا في القضاء على نظم الحكم التي أسس بنيانها على غير قواعد الإسلام، واستئصال شأفتها، وأن يستنفد مجهوده في أن يستبدل بها نظامًا للعمران والاجتماع ... مؤسسًا على ..."كلمة الله"، فإن لم يبذل هذا الحزب الجهد المستطاع، ولم يسع سعيه وراء تغيير نظم الحكم، وإقامة نظام الحق، نظام الحكم المؤسس على قواعد الإسلام، ولم يجاهد حق جهاده في هذه السبيل، فاتته غايته، وقصر عن تحقيق البغية التي أنشئ لأجلها" [3] .

هذا هو واقع الجهاد في سبيل الله، فهو قتال الكفار المشتمل على قتال الطلب، أي مبادأة الكفار بالقتال، وقتال الدفاع بكافة أشكاله، وكل نوع من أنواع القتال ما دام في سبيل الله، والمشكلة المرتبطة بقصر مشروعية الجهاد على الدفاع فقط، إنما تكمن، في رأيي، في غياب الإطار السياسي الموحد للأمة، أي غياب الدولة التي تعمل على صهر المسلمين في بوتقة واحدة، وتوحد جهودهم، وتوجهها نحو استخدام الجهاد كأداة للسياسة الخارجية للدولة.

ففي ظل التعددية السياسية الراهنة يصعب الاتفاق على المفاهيم السياسية المعالجة لواقع السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، أضف إلى ذلك، أن التجزئة السياسية للأمة أسهمت في التشتت الفكري لأبناء الأمة التي غلب على أفرادها السعي نحو تقليد الغرب في بناء الأطر السياسية للدولة ومنها النظرة نحو تقسيم الحروب إلى: دفاعية وهجومية، وإقرار ما أقره الغرب منها، وهو الحرب الدفاعية فقط. وفي ذلك يقول المودودي مبينًا اغترار المسلمين بالصورة التي رسمها الغرب المستعمر عن الجهاد حتى أصيب المسلمون بالخجل من واقع الجهاد مما دفع المغترين منهم إلى رفع لواء"ما لنا وللقتال":"إنما نحن دعاة مبشرون ندعو إلى دين الله، دين الأمن والسلام والدعة، بالحكمة والموعظة الحسنة، نبلغ كلام الله تبليغ الرهبان والدراويش والصوفية، ونجادل من يعارضنا بالتي هي أحسن، بالخطب"

(1) مجيد خدوري، القانون الدولي الإسلامي، (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1975 م، ص 14.

(2) أبو الأعلى المودودي، الجهاد في سبيل الله، مرجع سابق، ص 10.

(3) المرجع السابق، ص 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت