عرض الإسلام عليهم إن لم تبلغهم الدعوة، فقد أكد الكاساني أن الجهاد"في عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عز وجل: بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك" [1] ، وعرفه ابن عرفة بأنه:"قتال مسلم كافرًا غير ذي عهد، لإعلاء كلمة الله أو حضوره له أو دخول أرضه"، وعرفه ابن هارون بأنه:"قتال العدو لإعلاء كلمة الإسلام"، وعرفه الباجوري بأنه"القتال في سبيل الله لإقامة الدين" [2] .
يتضح من التعريفات الفقهية للجهاد أن الجهاد هو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، أي القتال المطلق الشامل لغزو الكفار، وللدفاع عن دار الإسلام، ولغير ذلك من أنواع القتال. قال الشوكاني في السيل الجرار:
"غزو الكفار، ومناجزة أهل الكفر، وحملهم على الإسلام، أو تسليم الجزية، أو القتل، معلوم من الضرورة الدينية ولأجله بعث الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه، جاعلًا لهذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه، وأدلة الكتب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام، ولا لبعضها. وما ورد في موادعتهم، أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين، بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال، مع ظهور القدرة عليهم، والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم" [3] .
فالواجب الشرعي يتمثل في حمل الإسلام والجهاد في سبيله، أي مقاتلة الكفار لإخضاعهم لشرع الله سبحانه وتعالى، ليتحقق كمال العبودية لله على الأرض، ولا يتحصل ذلك إلا بقصد الكفر إلى ديارهم وقتالهم عند امتناعهم عن الخضوع لحكم الإسلام.
أضف إلى ذلك: أن تأكيد أغلب الفقهاء على أن الجهاد ينقسم إلى فرض كفاية، وفرض عين، يدل على وجوب مقاتلة الكفار حتى لو لم يقاتلوا المسلمين، ذكر الكاساني في بيان فرضية الجهاد ما يلي:
"فإن لم يكن النفير عامًا فهو فرض كفاية ومعناه: أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد، لكن إذا قام به بعض سقط عن الباقين ... ولأن ما فرض له الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام وإعلاء الدين"
(1) علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الجزء السابع، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1402 هـ - 1982 م، ص 97.
(2) راجع في تفصيل تعريف الجهاد عن فقهاء المذاهب ما نقله أبو عيد، العلاقات الخارجية في دولة الخلافة، مرجع سابق، ص 100.
(3) نقلًا عن كتاب العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة، جمع أبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري، تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1405 هـ - 1985 م، ص 15.