الصفحة 59 من 117

المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ..." [1] ."

يتضمن الحديث السابق أمرًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغزو في سبيل الله، أي حمل الإسلام حملا ًعقيديًا بإبلاغ الدعوة إلى الكفار وتخييرهم بين ثلاثة أشياء: إما"الإسلام"وهو الغاية من القتال، أو"الجزية"وهي المتمثلة في تطبيق أحكام الإسلام عليهم وإخضاعهم للدولة الإسلامية، أو"القتال". والأمر بالغزو الذي ينتهي بالقتال لا يمكن أن يكون حربًا دفاعية، وإلا لما سمي"غزوًا"مما يدل على أن الغزو هو قتال الطلب أي مبادأة الكفار بالقتال. ويؤيد ذلك أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم:"... والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا ... والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل" [2] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" [3] . وعن أبي موسى قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [4] .

وقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاية الجهاد إعلاء كلمة الله مصداقًا لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} وإعلاء كلمة الله لا يكون إلا بالسعي لقتال الكفار، أي قصدهم في ديارهم لعرض الإسلام عليهم وقتالهم عليه، مما ينفي كون الجهاد حربًا دفاعيةً، ثم كيف يكون حمل الإسلام حملًا عقائديًا، وكيف ينتشر الإسلام وهو قابع متقوقع في قمقم لا يخرج منه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؟ فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل" [5] ، وكيف يؤمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتال الناس حتى يؤمنوا بالله، ثم يدعي الكتاب المعاصرون أن القتال الذي يجيزه الإسلام هو الحرب الدفاعية فقط وأن الحرب الهجومية أمر لا تقره الشريعة؟

وقد بين الفقهاء، بناء على فهم الأدلة الشرعية التفصيلية المعالجة لمفهوم الجهاد، أن الجهاد هو قتال الكفار من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى وذلك يتضمن بالضرورة طلب قتال الكفار بعد

(1) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص ص 37، 39.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثالث عشر، ص 20.

(3) المرجع السابق نفسه، ص 26.

(4) المرجع السابق نفسه، ص 49.

(5) صحيح سنن ابن ماجة، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت