الصفحة 50 من 117

متلازمان، بمعنى أن وجود جماعة تعتنق العقيدة الإسلامية، يحتم عليها العمل لإقامة دولة تطبق الشرع في واقع الحياة، كما أن قيام الدولة الإسلامية يحتم قيام أمة تلتزم بتطبيق أحكام الشرع، وحمل الدعوة، وذلك لأن الإسلام رباط روحي - سياسي، وليس رباطًا روحيًا محضًا كما هو الحال في النصرانية، ولذا يمكن تعريف الأمة الإسلامية بأنها:"جماعة تعتنق عقيدة الإسلام وتقيم دولة على أساس شريعته".

ويستدل على ارتباط وجود الأمة بالدولة، أيضًا، من جعل الإسلام الأمة قاعدة للحياة الاجتماعية وجعل الأفراد غير المكونين للدولة، أي: المتخلفين عن الهجرة مع"قدرتهم على ذلك"،"ليسوا من الأمة"لكونهم لم يحققوا شروط الأمة المتمثلة في الهجرة، بهدف إقامة الدولة، حيث وصف الله سبحانه وتعالى أولئك بالمنافقين، قال عز وجل: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [1] . و {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [2] .

ولذلك فإن عدم هجرة الموجودين خارج إطار الدولة الإسلامية مع القدرة عليه يحتم خروجهم عن مفهوم"الأمة الإسلامية"، وقد نزلت الآية السابقة في أولئك الذين انتسبوا إلى الإسلام، ومع هذا خرجوا مع جيش قريش لمقاتلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بدر، وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما" [3] .

ومما يدل على أهمية الهجرة إلى الدولة الإسلامية أن الله سبحانه وتعالى أسقط حق المسلم المقتول خطأ في دار الكفر في الدية، لعدم انتمائه للدولة الإسلامية، قال تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [4] ، وقد أشار الإمام الشيباني رحمه الله إلى ذلك بقوله:"وإذا أسلم رجل من أهل الحرب، فقتله رجل من المسلمين قبل أن يخرج إلى دار السلام خطأ، فعليه الكفارة ولا دية عليه" [5] .

(1) القرآن الكريم، سورة النساء، آية 88، ومعنى أركسهم: ردهم إلى الكفر. (كلمات القرآن لحسنين مخلوف.

(2) القرآن الكريم، سورة النساء، آية 97.

(3) أخرجه أبو داود والترمذي، راجع محمد ناصر الدين الألباني، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الجزء الخامس، (بيروت: المكتب الإسلامي، 1399 هـ - 1979 م، حديث رقم 1207، ص 29.

(4) القرآن الكريم، سورة النساء، آية 92.

(5) محمد بن الحسن الشيباني، شرح كتاب السير الكبير، تحقيق صلاح الدين المنجد، الجزء الأول، (القاهرة: مطبعة شركة الإعلانات الشرقية، 1971، ص 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت