الصفحة 49 من 117

يرتكز على العقيدة، وتقوم بعد إقامة الشرع بالجهاد في سبيل الله لإبلاغ الإسلام، وبذلك تتجاوز الإطار القومي القائم على النظرة العرقية للأمة، وعلى مبدأ الولاء السياسي للقوم بصرف النظر عن معتقداتهم، حيث يقيم الإسلام نظام ولاء فكري عقيدي، ويجعل هدف الأمة نشر الإسلام وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية, ومن هذا يتضح أن الأمة في الفكر الإسلامي تكتسب بعدًا حركيًا دائميًا، من خلال إقرار رابطة العقيدة الفكرية والجهاد في سبيل الله.

وللمحافظة على حق وكيان الأمة، والدولة الناجمة عنها، حذر الله سبحانه وتعالى المسلمين من موالاة الكفار لكونهم أولياء بعض وحذر سبحانه وتعالى من الفتنة المترتبة على انقسام المسلمين [التجزئة السياسية] وعدم موالاتهم لبعض، بإقامة المجتمع السياسي الواحد. وذلك دليل على أن الأمة الإسلامية يجب أن تكون واحدة لا يفصل بين شعوبها حد، ولا يحول دون التقائهم وضع، ولا يصح أن تخضع لأكثر من حاكم يتولى أمرها ويدير شئونها [1] .

وقد فسر ابن كثير الفتنة الواردة في الآية الكريمة بقوله"أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل" [2] .

ويقول سيد قطب بهذا الصدد:

"إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد، إنما يتحرك ككائن عضوي، تندفع أعضاؤه، بطبيعة وجوده وتكوينه للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه؛ فهم بعضهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا ... ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص، ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى، فأما إذا لم يواجههم مجتمع ولاءه بعضه لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا، وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده، ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام" [3] .

وعليه فقيام الإسلام وبقاءه يتطلب قيام مجتمع يقيم حكم الله في الأرض، متمثلًا في أمة تعتنق العقيدة وتنتظم في دولة تنبثق عن العقيدة، وإلا تحول الإسلام إلى مجرد"نظرية"خالية الوفاض؛ فالأمة والدولة

(1) يوسف السباتين، طريق العزة، (د. ن، 1403 هـ - 1983 م، ص 63.

(2) مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 122.

(3) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء الثالث، ص 1559

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت