ومن الواضح أن هذين الهدفين سلبيان لكونهما يقتصران فقط على حماية الأمة، ولا يتعديانها إلى غير ذلك من نشر للمبدأ الذي تعتنقه الجماعة. ولذلك فالفكرة القومية عن الأمة في مدلولها السياسي فكرة عقيمة، وذلك لأنها حصرت غاية كفاح الأمة السياسي في إيجاد الدولة وحمايتها، فإن وجدت تحقق للقومية هدفها وهو هدف انكفائي سلبي.
أما القومية في المدلول المذهبي فهي حالة ذهنية، تجعل ولاء الفرد الكامل خاضعا للدولة القومية [1] ، ولهذا فإن القوميين"في كل مكان عبدوا الأمة"، وهذه العبادة والتقديس جزء من القاعدة التي يبنى عليها الفكر القومي المعاصر [2] .
ويؤكد ساطع الحصري ذلك في معرض حديثه عن القومية العربية بقوله:
"إن الفكرة القومية، تتمتع بقوة ذاتية، إنها تدفع إلى العمل والكفاح، عندما تدخل العقول وتستولي على النفوس؛ (إنها) تحرك الهمم، وتسير الجماهير، وتدفع الناس إلى البذل والتضحية عند الاقتضاء" [3] .
يتضح من هذا أن القومية كمدلول مذهبي رابطة خالية من أي فكر عملي، تقوم على الغرائز الطبيعية، نظرًا لأنها تبنى على مفاهيم وضيعة يتحقق من خلالها فقط الشعور بالانتماء.
نستدل مما سبق أن الفكر القومي رغم أنه يسند فكرة قيام الدولة على الرابطة القومية، إلا أنه لا يحتم التلازم بين وجود الأمة والدولة، كما أنه يجعل غاية الأمة الانضواء تحت لواء الدولة القومية، بهدف التميز عن القوميات الأخرى، وحماية الدولة القومية، والدفاع عنها.
أما الإسلام فيقر تكوين الأمة ولكنه يحصر مكوناتها في عناصر"فكرية - عقيدية"، وفي أنظمة وتشريعات عملية تنبثق من العناصر الفكرية. وبهذا يناقض المفهوم الغربي القومي للأمة، حيث تؤكد الشريعة الإسلامية أن مكونات الأمة هي العقيدة الإسلامية والمفاهيم التي ترتبط بها، من إيمان بالله ورسوله، وكذلك الأحكام الشرعية التي تنبثق عن العقيدة من هجرة وجهاد بقصد تكوين الدولة
(2) راجع Shafer P 6 ..
(3) ساطع الحصري، محاضرات في نشوء القومية، مرجع سابق، ص 282.