كان رأيًا سياسيًا متعلقًا بالحرب وليس وحيًا من عند الله، أشار الحباب بن المنذر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغير ذلك المكان، لأنه ليس أفضل المواقع لملاقاة العدو. وقد قال الحباب بن المنذر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا رسول الله، فإن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نعِّور ما سواه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون". فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له حين سمع رأيه:"لقد أشرت بالرأي"ثم ألزم المسلمين بالنزول عند رأي الحباب بن المنذر حيث"نهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم، فنزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعِّورت، وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية" [1] .
يتضح مما سبق أن الأمور التي تحتاج إلى فكر وإمعان نظر والآراء الفنية والدقيقة التي تحتاج إلى خبرة ودراية ومعرفة، فإنه يؤخذ فيها بالرأي الصائب حتى لو كان رأي فرد واحد كما يدل عليه فعله - صلى الله عليه وسلم -.
ذلك أن الآراء الفنية تحتاج إلى خبرة ودراية ومعرفة، فإذا ترك المجال فيها مفتوحًا للعامة، فقد ينتج عن ذلك ضرر بالغ بمصلحة الأمة، لعدم إلمام العامة بالأمور الفنية الدقيقة، ويدخل ضمن الأمور الفنية قضايا السياسة الخارجية، والخطط العسكرية والحربية، لاحتياجها، للخبرة أو لأنها ذات طابع سري.
ثالثا: الآراء العامة التي تدل على عمل لا يحتاج إلى خبرة فنية أو إمعان نظر، أو قد تحتاج إلى معلومات يمكن توافرها وفهمها من مجمل آراء الأمة فهذه يجب على الحاكم أخذ رأي الأمة بشأنها، كما أن عليه أن يلتزم برأي الأغلبية فيها. ويدخل ضمن الآراء العامة إقامة الخليفة، وإقامة المشاريع العمرانية، والأمور الاقتصادية والصحية والتعليمية والثقافية وكل أمر يدل واقعه على أنه رأي يتعلق بالقيام بعمل وليس أمرًا فنيًا دقيقًا ولا رأيًا تشريعيًا [2] . وقد ألزم الشارع الحاكم في مثل هذه الآراء العامة الرجوع إلى أكثرية الأمة لأخذ رأيها، وإلزامه كذلك الالتزام برأي الأغلبية، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين التزم برأي الأكثرية في الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة في غزوة أحد، فقد روى الطبري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سمع بنزول المشركين وأتباعهم أُحدًا، طلب المشورة من أصحابه فأشار عليه أكثرهم بالخروج لملاقاة العدو وقالوا له:"يا رسول الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب"مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤيد الخروج من المدينة، ولكنه نزل عند رأي الأغلبية لما رأى أن الأغلبية تؤيد الخروج، فدعا بدرعه فلبسها."فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا نشير على رسول الله والوحي يأتيه، فقاموا فاعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينبغي لنبي أن"
(1) المرجع السابق، نفسه، ص 29.
(2) محمود الخالدي، مرجع سابق، ص ص 96 - 97.