المعالج لكل حالة من حالات الرأي، بدلًا من القول خطأ بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - التزم رأي الأغلبية، أو أنه لم يأخذ بالشورى، أو القول بأن الشورى ملزمة، أو معلمة غير ملزمة للحاكم.
ويتضح من استقراء الأدلة الشرعية المعالجة لواقع الشورى في السيرة النبوية أن الآراء لا تخرج عن ما يلي:
أولًا: الأحكام الشرعية أو الآراء التشريعية. وهنا نفرق بين ما ورد فيه نص حيث لا اجتهاد مع نص فلا تصح الشورى فيما ورد فيه نص صريح قطعي لمعالجة الواقع. أما ما لم يرد فيه نص صريح ويتعلق بالحكم الشرعي فإنه يؤخذ فيه بقوة الدليل المستنبط من الكتاب والسنة:"وقوة الدليل ليست عند الناس، ولا فيما اصطلحوا عليه، ولا فيما فهموه؛ بل قوة الدليل عند رئيس الدولة فحسب" [1] ، وذلك استنادًا إلى حق الحاكم في تبني الأحكام الشرعية التي يستنبطها من الكتاب والسنة وإلزام الرعية العمل بها. وما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في"صلح الحديبية"يدل على أن الأحكام الشرعية لا يؤخذ فيها برأي الأقلية أو الأكثرية ولذلك رفض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آراء الصحابة كلهم وقال:"إني عبدالله ورسوله ولن أخالف أمره".
ثانيًا: الأحكام أو الآراء الفنية الدقيقة والمتخصصة التي تحتاج إلى فكر أو تدل على فكر في موضوع معين، فإنه يبحث فيها عن الرأي الأصوب، حتى وإن كان رأي فرد واحد"لأنه رأي فني يعلمه أصحاب الخبرة والاختصاص والدراية في الموضوع" [2] ، فهذا النوع من أنواع الآراء لا يخضع لحكم الكثرة أو القلة، وإنما يخضع للرأي الصائب في المسألة. والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [3] وقيامه - صلى الله عليه وسلم - بأخذ رأي سلمان الفارسي بشأن حفر الخندق. وإلزام الرعية العمل بها، يندرج تحت هذا النوع من أنواع الآراء، بعكس ما ذكره الشاوي من أن ذلك يندرج تحت ما أسماه بالشورى الاختيارية غير الملزمة، فحين قدم سلمان رأيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ به وألزم المسلمين العمل به لأنه رأي فني صادر من خبير، فقد قال سلمان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"فأمر - صلى الله عليه وسلم - بحفر خندق حول المدينة [4] وكذلك في غزوة بدر، حين سأله الحباب بن المنذر عما إذا كان المكان الذي نزلوا عنده استعدادًا للقاء الأعداء كان من وحي السماء أو من الرأي والحرب والمكيدة. فلما أشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أن ذلك
(1) محمود الخالدي، نظام الشورى في الإسلام، (عمان: مكتبة الرسالة الحديثة، (1406 هـ - 1986 م، ص ص 94 - 95.
(2) المرجع السابق، ص 95.
(3) القرآن الكريم، سورة الزمر، آية 9.
(4) محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 91.