وفرق الدوري بين الإمام المجتهد والإمام غير المجتهد. فالإمام إذا كان مجتهدًا، فله حق التمسك برأيه وترجيحه على رأي الأغلبية، أما إذا كان الإمام من غير أهل الاجتهاد فإنه يجب عليه الأخذ برأي الأغلبية والعمل به [1] . أما الشاوي فقد قارن بين ثلاثة أنواع من القرارات الناتجة عن التشاور:
"أولًا: المشورة الجماعية التي لا بد من الالتجاء إليها، للحصول على قرار جماعي ملزم في شأن من شئون الجماعة الهامة."
ثانيًا: الاستشارة الاختيارية الحرة، أي طلب الرأي أو النتيجة من ذوي التجربة أو الخبرة وهي اختيارية لمن طلبها وتسفر عن رأي غير ملزم ...
ثالثًا: طلب الفتوى الفقهية، وهي نوع من الاستشارة في أحكام الفقه، وهي مشورة اختيارية" [2] ."
ثم ضرب الكاتب بعد ذلك أمثلة لما أسماه بالشورى الجماعية الملزمة، كما حصل في غزوة بدر عندما عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه مهاجمة قافلة لقريش قادمة من الشام، وذلك مقابل قيام قريش بالاستيلاء على أموال المؤمنين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وكذلك في غزوة أحد حين التزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأي الأكثرية، وخرج لملاقاة العدو [3] . وضرب أمثلة للاستشارة أو المشورة الاختيارية كالرأي الذي أشار به الحباب بن المنذر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر، وكالرأي الذي أدلى به سلمان الفارسي بشأن الخندق، وكقيامه - صلى الله عليه وسلم - بأخذ رأي سعد بن معاذ وسعد بن عبادة عندما حاصر الأحزاب المدينة [4] .
والحقيقة هي أن البحث في التزام رئيس الدولة بالشورى من عدمه، يقتضي البحث في واقع الرأي الذي يراد التشاور فيه للوصول إلى قرار، وذلك لأن الدارس لسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى أنه عليه الصلاة والسلام لم يستشر في حالات، واستشار في حالات أخرى، والتزم رأي الأكثرية في حالات، وعمل برأي فرد واحد في حالات، ولم يعمل برأي الأكثرية ولا الأقلية في حالات أخرى. وذلك يدل على أن أصل البحث لا بد وأن ينصب على واقع الأمر الذي يراد التشاور فيه، لاستنباط الدليل
(1) قحطان الدوري، مرجع سابق، ص ص 288 - 311.
(2) توفيق الشاوي، مرجع سابق، ص 116.
(3) المرجع السابق، ص ص 130 - 131.
(4) المرجع السابق، ص ص 133 - 134.