الصفحة 31 من 117

الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان (ابن عفان) ، ولم يتخلف عن بيعته أحد، قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي:"ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان، كانت بإجماعهم" [1] .

ومن ثم فبالإمكان اللجوء إلى هذا الأسلوب، لاختيار رئيس الدولة الإسلامية، حيث تتولى جهة محددة كمجلس الشورى، مثلًا، ترشيح المؤهلين للمنصب، ثم يتم اختيار أحد المرشحين من قبل الأمة عن طريق التصويت عليه لاختياره، وقد بين الحديث السابق إمكان تفويض فئة لترشيح المؤهل للرئاسة. كما أن قيام المفوض وهو عبدالرحمن بن عوف بسؤال الناس يدل على جواز قيام الناس بإبداء رأيهم عن طريق أي وسيلة ممكنة كصناديق الاقتراع، أو باستخدام الحاسب الآلي، أو بأية وسيلة تُظهر رضا الناس عن المرشح لمنصب الخلافة.

يتضح لنا بعد دراسة مفهوم البيعة أن الشرع الإسلامي، نهى عن اغتصاب السلطة السياسية و"فرض الذات"بالقوة، ولذلك أكد على أن البيعة الشرعية هي الطريقة الشرعية الصحيحة للتعبير عن سلطان الأمة، وحقها في اختيار من يلي أمرها برضاها ودون إكراه أو إجبار.

وقد تبين لنا أن هناك عدة أساليب يمكن اللجوء إليها واتباع أحدها، عند اختيار رئيس الدولة، بخلو منصب الخلافة عمن يقوم به في الدولة الإسلامية؛ فالبيعة الشرعية فرض على الأمة يجب عليها القيام به، وحصول الرضا عمن يلي أمر الناس حقٌ سياسي من الحقوق الشرعية للأمة، والوسيلة التي يتحقق بها الرضا متروكة لاختيار الأمة، وفقًا لظروف العصر الذي تعيش فيه، بشرط أن تكون الوسيلة شرعية لا تخالف الإسلام، وأن تحقق رضا الجماهير عمن يلي أمر الناس.

فالافتئات على حق الناس في ممارسة حقوقهم السياسية، والتي يعد أهمها اختيار الحاكم، يعد جريمة منكرة في الشرع، ووقوف كبار الصحابة رضوان الله عليهم في وجه معاوية بن أبي سفيان حين أراد أخذ البيعة لابنه يزيد خير شاهد على ذلك. فلقد تصدى كبار الصحابة لجريمة اغتصاب السلطة وإكراه المسلمين على البيعة ليزيد، وكان على رأس هؤلاء الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس؛ فقد تصدى هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم لمحاولات معاوية المتكررة أخذ البيعة لابنه يزيد، حتى ذكره عبدالله بن عمر بأن"الخلافة ليست بهرقلية، ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء" [2] ، والتقى معاوية بالحسين بن علي

(1) ابن تيمية، منهاج السنة، مرجع سابق، الجزء الأول، ص ص 532 - 533.

(2) ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، مرجع سابق، الجزء الأول، ص 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت