الصفحة 30 من 117

أمرهم فمال الناس إلى عبدالرحمن، حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه ومال الناس على عبدالرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها، فبايعنا عثمان - قال المسور:"طرقني عبدالرحمن بعد هَجْعٍ من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائمًا، فوالله ما اكتحلتُ هذه الثلاث بكثير نوم. انطلق فادع الزبير وسعدًا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي عليًا، فدعوته، فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبدالرحمن يخشى من علي شيئًا، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، أرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبدالرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا. فقال لعثمان أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبدالرحمن وبايعه الناس: المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون" [1] .

نستدل مما سبق على أنه يجوز للأمة أن تفوض فردًا أو جماعة، لترشيح المؤهل لمنصب الخلافة، و"في الحديث دليل على أن الوكيل المفوض، له أن يوكل وإن لم ينص على ذلك، لأن الخمسة أسندوا الأمر لعبدالرحمن وأفردوه به فاستقل، مع أن عمر لم ينص لهم على الانفراد" [2] ، كما يدل الحديث أيضًا على حق الأمة في إبداء رأيها في المرشح للمنصب، فقد قام عبدالرحمن بن عوف باستطلاع رأي الناس بسؤال الناس رأيهم عمن يلي أمرهم، فقد مال الناس إليه"أي قصدوه كلهم شيئًا بعد شيء"ثم بين أن قصدهم له كان من أجل أن"يشاورونه تلك الليالي" [3] ، حتى شكا رضي الله عنه قلة النوم لكثرة المشاورة حيث قضى معظم وقته في سؤال الناس رأيهم فيمن يلي أمرهم، ولذلك قال لعلي رضي الله عنه"يا علي إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان". قال ابن حجر"أي يجعلون له مساويًا بل يرجحونه" [4] ، مما يدل على أنه بنى ترشيحه لعثمان على رأي الأمة التي رجحت كفة عثمان ثم قال لعلي"فلا تجعلن على نفسك سبيلًا"، يقول ابن حجر،"أي من الملامة إذا لم توافق الجماعة" [5] ، مما يدل على اجتماع الناس بعد أخذ رأيهم مدة ثلاثة أيام على عثمان رضي الله عنه، ولذلك قال ابن تيمية يرحمه الله إن عثمان رضي الله عنه"لم يصر إمامًا باختيار بعضهم، بل بمبايعة"

(1) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، المجلد الثالث عشر، ص ص 193 - 194.

(2) المرجع السابق، نفسه، ص 199

(3) المرجع السابق، نفسه، ص 196.

(4) المرجع السابق، نفسه، ص 197.

(5) المرجع السابق، نفسه، ص 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت