الصفحة 29 من 117

ثالثًا: يدل فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقوله على أن اختيار الحاكم حق سياسي لكل أفراد الأمة الإسلامية، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ البيعة من كل مسلم بالغ، وكان المسلمون يسارعون إلى بيعته رجالًا ونساءً أفرادًا وجماعات دون تفريق أو تفويض، إبرازًا لحقهم السياسي في ممارسة السلطان بالبيعة، وما حصل في سقيفة بني ساعدة عند بيعة أبي بكر رضي الله عنه لم يكن تفويضًا من الأمة"لأهل الحل والعقد"وإنما كان نابعًا من موقف أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، مما كان سيقدم عليه الأنصار، لأنه لو كان هناك تفويض لأحد باختيار خليفة، لما اختلف المهاجرون والأنصار حول من يكون عليهم خليفة، فرشح كل جانب شخصًا حتى رجحت كفة أبي بكر رضي الله عنه، فانتخب، ثم تمت له البيعة في المسجد، وموافقة الأمة على ما تم في السقيفة كان يعكس رضاها عن الإجراء الذي اتبع حينذاك وعن أشخاص الصحابة الذين عقدوا البيعة في سقيفة بني ساعدة، ولو لم تبايع الأمة أبا بكر لما أصبح خليفة للمسلمين، فالأمر مرتبط برضا الأمة واختيارها.

كما أن أحاديث البيعة التي سبق ذكرها، تدل على أن البيعة حق لكل مسلم بالغ حر، ذكرًا كان أو أنثى، والعبارات الواردة في الأحاديث تدل على ذلك"من بايع"،"بايعنا"،"فوا ببيعة الأول"،"إذا بويع لخليفتين"وهكذا، فالبيعة عقد مراضاة واختيار، طرفاه الأمة والحاكم، مما يدل على أن إمضاء عقد الخلافة بالبيعة الشرعية، هو حق سياسي للأمة، ولكن ليس شرطًا أن يمارس كل أفراد الأمة هذا الحق؛ فللأمة أن تفوض فئة أو أشخاصًا للقيام بهذه المهمة، ولكن تفويض هؤلاء لا يعني سلب الأمة حقها في ممارسة الانتخاب مباشرة، والقيام بمبايعة من تراه صالحًا لتولي منصب الخلافة، فإذا رأت الأمة أن هذا يمثل الأسلوب الأمثل للتعبير عن رضاها في زمن من الأزمنة، فلها أن تفعل ذلك، فكما أن من حق الموكل أن يعود عن وكالته ويمارس بنفسه مباشرة الأمر كذلك للأمة الحق في سحب تفويضها لأهل الحل والعقد وممارسة ذلك الحق بنفسها.

رابعًا: قد تتبنى الأمة أسلوبًا يجمع بين الانتخاب المباشر والتفويض، وذلك بأن تجعل"لمجلس الشورى"حق حصر المرشحين للخلافة، فيقوم أعضاؤه بترشيح من تنطبق عليهم شروط تولي المنصب وتقوم الأمة بعد ذلك بالتصويت على المرشحين، ومن يحصل على أكثرية الأصوات يبايعه المسلمون، ويصبح خليفة عليهم، وقد حصل ما يشبه ذلك في قصة بيعة عثمان رضي الله عنه. فقد ذكر ابن حجر العسقلاني عن المسور بن مخرمة قصة البيعة وهي:

"أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبدالرحمن: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبدالرحمن، فلما ولوا عبدالرحمن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت