الصفحة 32 من 117

رضي الله عنه محاولًا إقناعه ببيعة يزيد فقال له الحسين:"فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبًا، أو تنعت غائبًا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصرًا، ودع عنك ما تحاول" [1] .

وخاطب معاوية عبدالله بن عمر محذرًا إياه من شق عصا الطاعة وبين له أن"أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم"فقال له عبدالله:"لقد كانت قبلك خلفاء، وكان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، فلم يحابوا في هذا الأمر أحدًا، ولكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم" [2] ، كما حاول معاوية إقناع عبدالله بن الزبير بالبيعة لابنه يزيد فنهاه عبدالله عن ذلك، فما كان من معاوية وقد اشتدت عليه المعارضة من كبار الصحابة إلا أن أمر حرسه وشرطته أن يحضروا الصحابة الذين أبوا البيعة، وهم الحسين بن علي، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس، وعبدالرحمن بن أبي بكر وقال لحراسه وشرطته:"إني خارج العشية إلى أهل الشام، فأخبروهم أن هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدّقني أو يكذبني فيه، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه، فحذر القوم ذلك، فلما كان العشيّ، خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر، .... وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم: أي القوم، وأنهم بايعوا" [3] .

وقد سكت الصحابة رضوان الله عليهم خشية الموت وهكذا تم اغتصاب السلطة وأخذ البيعة بالقوة والإكراه ليزيد، ولذلك لما مات معاوية رفض أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية فأرسل لهم جيوشًا وقاتلهم عليها فأعلنوا قتاله حتى غلب جيش يزيد أهل المدينة، فقُتل ثمانون رجلًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبق بدري بعد ذلك، وقتل من قريش والأنصار سبعمائة، ومن سائر الناس عشرة آلاف، واستباح مسلم بن عقبة قائد الجيش المدينة ثلاثة أيام [4] . كما قاتلهم عبدالله ابن الزبير بمكة حتى هلك يزيد بن معاوية.

نستدل من ذلك على أن اغتصاب السلطة السياسية حرام ولو جاز لما قاتل كبار الصحابة رضي الله عنهم يزيدًا ولأقدموا على بيعته. فالبيعة عقد مراضاة واختيار، وإخضاع الأمة بالسيف ينتفي معه

(1) المرجع السابق، ص ص 160 - 161.

(2) المرجع السابق، ص ص 161 - 162.

(3) المرجع السابق، ص 163.

(4) المرجع السابق، ص 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت