وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة، ولهذا لم يغير تخلف سعد بن عبادة، لأن ذلك (لا) يقدح في مقصود الولاية، لأن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك ...
وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر، إنما صار إمامًا لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إمامًا" [1] ."
ولكن أبا بكر رضي الله عنه قبل أن يرشح عمر لمنصب الخلافة، طلب إذن الأمة في أن توافق على العهد إليه أي تفويضه باختيار خليفة، حيث أنه رضي الله عنه أمر أن يجتمع الناس فاجتمعوا، فقال لهم:"أيها الناس قد حضرني من قضاء الله ما ترون، وإنه لا بد لكم من رجل يلي أمركم، ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، فيأمركم، فإن شئتم اجتهدت لكم رأي، والله الذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرًا، قال: فبكى وبكى الناس، وقالوا: يا خليفة رسول الله، أنت خيرنا وأعلمنا، فاختر لنا، قال: سأجتهد لكم رأي، واختار لكم خيركم إن شاء الله" [2] .
وقد أكد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضرورة حصول الرضا، المعبر عن سلطان الأمة وحقها في تعيين الخليفة، وذلك عندما طلب منه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل بيعتهم، وأن يصير عليهم إمامًا، فقد قال محمد بن الحنفية:"كنت مع أبي حين قُتل عثمان رضي الله عنه، فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدًا أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا، فقالوا: لا، والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيًا، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين" [3] .
يتضح مما سبق أن مقصود الشارع من إقرار البيعة الشرعية حصول الرضا عمن يلي أمر الناس لأن به تتحقق شرعية السلطة، ويتحقق الاستقرار السياسي في الدولة، ولذلك لم ينص الشارع على عدد معين يقومون بانتخاب رئيس الدولة إنما شرط أن يتحقق الرضا بمن بايعوه بأي إمارة تدل على ذلك،
(1) تقي الدين أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم، الجزء الأول، (الرياض: مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1406 هـ - 1986 م، ص 530.
(2) عبدالله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، الجزء الأول، (بيروت: دار المعرفة، د. ت، الجزء الأول، ص 25.
(3) الطبري، تاريخ الطبري، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 696.