إما بإقرارهم لبيعته أو مسارعتهم لبيعته وطاعته، أو بسكوتهم وموافقتهم، أو بأي وسيلة تدل على الموافقة والرضا. وليس من الحكم الشرعي كون الذين يختارون الإمام أهل الحل والعقد، ولا كونهم سبعة أو ستة أو أكثر أو أقل، بل الحكم الشرعي منحصر في أن بيعتهم للإمام الشرعي المستوفي لشروط الإمامة تحقق الرضا، وتنال القبول من جماهير الأمة الإسلامية في دولة الخلافة الراشدة.
الحالة الثانية:
لما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وانقرض جيل الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا يمثلون الأمة، فهم الصفوة المختارة التي أثنى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان لزامًا أن يختلف واقع مفهوم أهل الحل والعقد، فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يمثلون العمود الفقري في استقرار النظام السياسي آنذاك، وكان الناس تبع لهم، ولكن تغيّر الأحوال يجعل من الصعب القول بأن بالإمكان وجود أهل حل وعقد، تنطبق عليهم شروط الصحابة الفضلاء، ثم إن واقع الدولة السياسي قد تغير فهي لم تعد دولة صغيرة كمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمكن فيها بسهولة تحديد رؤساء الناس وكبرائهم ولذلك لا بد من البحث في وسيلة أخرى يتحدد على إثرها أهل الاختيار، ومن هذا المنطلق برز مجلس الشورى كآلية للعمل السياسي في الدولة، ومن ثم فقد يكون هذا بديلًا مؤسساتيًا عن مفهوم أهل الحل والعقد، وبناء عليه فإنه بإمكان نواب الأمة العاملين في مجلس الشورى من المسلمين المنتخبين من قبل الأمة، تولي مهمة اختيار رئيس الدولة بناء على تفويض الأمة لهم تلك الصلاحية واشتراطها توفر الشروط الشرعية في المرشح فيعد عملهم إمارة دالة على رضا الأمة عن قيامهم باختيار رئيس الدولة، وقد أجاز الشرع الوكالة في العقود، والبيعة الشرعية عقد، فيصح أن تقوم الأمة بتوكيل أعضاء مجلس الشورى القيام ببيعة الإمام بيعة انعقاد، والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ، وعن جابر بن عبدالله قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال:"ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته". وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه وكل عمرو بن أمية الصخري في قبول نكاح أم حبيبة وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة،"وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها" [1] ومن ثم فتفويض الأمة أعضاء مجلس الشورى باختيار الحاكم وبيعته بيعة انعقاد، يعد أسلوبًا شرعيًا إن رأت الأمة الأخذ به، لعموم الأدلة الشرعية الدالة على جوازه، بشرط أن يتم ذلك برضا الأمة، ودون إكراه أو إجبار، ويمكن القول، باستقراء الواقع
(1) ابن قدامة، المغني، مرجع سابق، الجزء الخامس، ص 201.