الصفحة 23 من 117

أهل الحل والعقد موضع ثقتها، أو ممن يمثلون جمهور المسلمين. ولذلك قرر الفقهاء أن بيعة الإمام تتم من قبل أهل الحل والعقد الذين يتحقق رضا المسلمين عن عملهم، فقد بين القلقشندي أن لصحة عقد البيعة شروطًا وذكر منها:"أن تجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة"، و"أن يكون المتولي لعقد البيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس" [1] ، وبين القاضي عبدالجبار صفة العاقدين بأن"يكونوا من أهل الستر والدين، ومن يوثق بنصيحته وسعيه في المصالح، وأن يكونوا ممن يعرف الفرق بين من يصلح للإمامة، وبين من لا يصلح لها" [2] ، وذكر الماوردي أن لأهل الاختيار شروطًا هي: أولًا: العدل: وثانيًا: العلم الذي يؤدي إلى"معرفة من يستحق الإمامة"، وثالثًا: توفر الرأي والحكم المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف" [3] ، فالعبرة في أهل الاختيار أن يكونوا من قيادات الأمة ذات التأثير الجماهيري الواسع، أو من في حكمهم، ممن يمتازون بالقدرة على معرفة المؤهلين لتولي المنصب من بين المرشحين للخلافة، مما يقتضي كونهم من أهل الخبرة والتجربة والمعرفة بالرجال وأحوالهم في الدولة، حتى يتمكنوا من اختيار الأصلح للعمل السياسي الرئيس وهو رئاسة الدولة. وفي ذلك يقول الماوردي:"فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلًا وأكملهم شروطًا، ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته" [4] ، وهذا يدل على أن عقد البيعة من قبل أهل الاختيار للإمام مقرون برضا الناس وإسراعهم لإقرار ما قامت به الهيئة الانتخابية."

وقيام أهل الحل والعقد بعقد البيعة للإمام لا يعني أن بها يتحقق نصب الخليفة، بل هي إمارة تدل على تحقق الرضا من المسلمين بهذا الإجراء المتبع في نصب الخليفة، وذلك لأن أهل الحل والعقد كانوا بمثابة ممثلي الأمة، كما حصل في سقيفة بني ساعدة من نقاش حول من يكون عليهم خليفة وقيامهم بعد ذلك ببيعة أبي بكر رضي الله عنه وفي اليوم التالي اجتمع الناس في المسجد وبايع الناس أبا بكر للبيعة العامة بعد بيعة السقيفة، وبهذه البيعة العامة المتمثلة في موافقة أغلبية الأمة صار أبو بكر خليفة للمسلمين [5] . يقول ابن تيمية يرحمه الله مؤكدًا ضرورة حصول رضا الناس بممارستهم لحقهم في البيعة الشرعية:"ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إمام بذلك،"

(1) أحمد بن عبدالله القلقشندي، مآثر الأنافة في معالم الخلافة، تحقيق عبدالستار أحمد فراج، الجزء الأول، (الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، 1964 م، ص ص 39، 42.

(2) القاضي أبي الحسن عبدالجبار، المغني في أبواب العدل والتوحيد، مرجع سابق، الجزء العشرون، القسم الأول، ص 252.

(3) الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص 6.

(4) المرجع السابق، ص 8.

(5) محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، المجلد الثاني، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1407 هـ - 1987 م، ص 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت