وعك، فقال: أقلني بيعتي فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي فأبى، فخرج، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"المدينة كالكير: تنفي خبثها وتنصع طيبها" [1] .
كما تبين أحاديث البيعة أنها مفروضة لإقامة أحكام الإسلام في الدولة فهي ليست انتخابًا لإقامة أي حاكم، بل هي بيعة شرعية مرتبطة بتطبيق أحكام الشرع، وتوكيد حق الطاعة للإمام الشرعي مرتبط بإقامته لأحكام الإسلام. عن مجاشع بن مسعود السلمي قال جئت بأخي معبد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة. قال:"قد مضت الهجرة بأهلها"قلت: فبأي شيء تبايعه. قال:"على الإسلام والجهاد والخير" [2] . وعن جابر بن عبدالله قال:"بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم" [3] .
وقد أكد العلماء والفقهاء أن إمامة الحاكم"لا تنعقد إلا بالرضا والاختيار" [4] ؛ فإذا كانت الخلافة الشرعية عقد مراضاة واختيار، فلا بد فيها من رضا من يبايع ليتولاها، ومن رضا المبايعين له عن توليه السلطة نيابة عنهم، فالخلافة عقد مبني على القبول والإيجاب. وقد ذكر الماوردي أن الإمام"إن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها، لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار" [5] ، وأكد القاضي عبدالجبار المعنى نفسه بقوله:"أنه لا بد من قبول الإمام للعقد ... [فهو] أعرف بنفسه وبباطنه منهم، فربما علم ما يقتضي تحريم دخوله في الإمامة، وربما علم خلافه، فلا بد من اعتبار الرضا والقبول فيه، ولأن الولايات أجمع، لا بد فيها من الاختيار، فكذلك القول في الإمامة" [6] .
كما بين البغدادي"أن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد" [7] . وأكد ابن قدامة حق الأمة في الاختيار بقوله:"من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته" [8] ، وأشار الباقلاني إلى أن الإمامة"ليس لها طريق إلا النص أو الاختيار، وفي فساد النص دليل ثبوت"
(1) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، المجلد الثالث عشر، ص 200.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثالث عشر، ص 7.
(3) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، المجلد الأول، ص 137.
(4) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1405 هـ - 1985 م، ص 9.
(5) المرجع السابق، ص 8.
(6) القاضي عبدالجبار، المغني في أبواب العدل والتوحيد، مرجع سابق الجزء العشرون، القسم الأول، ص 270.
(7) عبدالقاهر بن طاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، (بيروت: دار المعرفة د. ت، ص 349.
(8) موفق الدين ابن قدامة، المغني مع الشرح الكبير، الجزء العاشر، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1403 هـ - 1983 م، ص 52.