الصفحة 105 من 117

السياسية، حفظ لكيان الأمة وعقيدتها من عبث العابثين وانحراف المنحرفين. يقول الإمام الغزالي بعد ذكر دور العلماء في محاسبة الحكام:

"فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطو السلاطين، لكونهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم، ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا لله النية، أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها" [1] .

ثم يبين الغزالي ما آل إليه حال العلماء بعد أن سكتوا عن قول الحق، واشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ورضوا بالحياة الدنيا:

"وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا. ففساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوك والأكابر" [2] .

ثانيًا: إن تقصير العلماء عن المحاسبة السياسية لا يعفي الأمة أفرادًا وجماعات من الاضطلاع بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمة صاحبة السلطان في الدولة الإسلامية وعليها مسئولية التأكد من حسن تطبيق الأحكام الشرعية في الدولة وذلك بالمراقبة الدائمة لأعمال الحاكم. والأمة تنصب الحاكم لرعاية شئونها وفق أحكام الإسلام، فإذا أخل أو قصر في رعايته للشئون، وجب على الأمة محاسبته. عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع"، يقول النووي:

"فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه، فقد صارت له طريقًا إلى البراءة من إثمه وعقوبته، بأن يغيره بيده أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه. وقوله - صلى الله عليه وسلم: ولكن من رضي وتابع معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع" [3] .

فعلى أفراد الرعية محاسبة الحكام والتغيير عليهم لأن ذلك واجب عليهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [4] ،

(1) المرجع السابق نفسه، ص 385.

(2) المرجع السابق نفسه، ص 385.

(3) صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، الجزء الثاني عشر، ص ص 242 - 243.

(4) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ص 22 - 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت