الصفحة 104 من 117

اكتسبه من حرام فسوف يصلى به، ولا يبقى شيء مسه ظالم عندنا، فيفسد علينا ديننا. فقيل له: ما نكتب؟ فقال: اكتبوا:

"بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال، هارون الرشيد الذي سلب حلاوة الإيمان، أما بعد: فإني قد كتبت إليك أعرّفك أني قد صرمت حبلك وقطعت ودك وقليت موضعك، فإنك قد جعلتني شاهدًا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه وأنفذته في غير حكمه ... يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم، والعاملين عليها في أرض الله تعالى، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم والأرامل والأيتام؟ أم هل رضي بذلك خلق من رعيتك؟ فشد يا هارون مئزرك وأعد للمسألة جوابًا وللبلاء جلبابًا، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فقد رزئت في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد، ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالمًا وللظالمين إمامًا، يا هارون قعدت على السرير ولبست الحرير وأسبلت سترًا دون بابك وتشبهت بالحجبة برب العالمين. ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك يظلمون الناس ولا ينصفون يشربون الخمور ويضربون من يشربها! ويزنون ويحدون الزاني! ويسرقون ويقطعون السارق! أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن تحكم بها على الناس؟ فكيف بك يا هارون غدًا إذا نادى المنادي من قبل الله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي الظلمة وأعوان الظلمة فقدمت بين يدي الله تعالى ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك والظالمون حولك وأنت لهم سابق وإمام إلى النار، كأني بك يا هارون وقد أخذت بضيق الخناق، ووردت المساق وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في ميزانك زيادة عن سيئاتك، بلاء على بلاء وظلمة فوق ظلمة، فاحتفظ بوصيتي واتعظ بموعظتي التي وعظتك بها، واعلم أني قد نصحتك وما أبقيت لك في النصح غاية، فاتق الله يا هارون في رعيتك، واحفظ محمد - صلى الله عليه وسلم - في أمته، وأحسن الخلافة عليهم، واعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك، وهو صائر إلى غيرك وكذا الدنيا تنتقل بأهلها واحدًا بعد واحد، فمنهم من تزود زادًا نفعه، ومنهم من خسر دنياه وآخرته، وإني أحسبك يا هارون ممن خسر دنياه وآخرته، فإياك إياك أن تكتب لي كتابًا بعد هذا فلا أجيبك والسلام" [1] .

من الأمثلة السابقة يتضح أن على العلماء مسئولية مباشرة في مواجهة ظلم الحكام وانحرافهم عن الشرع الإسلامي، لأن في قيامهم بدورهم المنوط بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحاسبة

(1) الغزالي، إحياء علوم الدين، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص ص 382 - 383.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت