فسأله عنهم فقال: أشهد أنهم أهل تحطم في أعراض الناس كثيرو الأذى لهم. فقال أبو جعفر: قد سمعتم، فقال الغفاريون: يا أمير المؤمنين سله عن الحسن ابن زيد، فقال: يا ابن ذؤيب ما تقول في الحسن بن زيد؟ فقال: أشهد عليه أنه يحكم بغير الحق ويتبع هواه، فقال: قد سمعت يا حسن ما قال فيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين: فاسأله عن نفسك. فقال: ما تقول فيّ؟ قال: تعفيني، يا أمير المؤمنين، قال: أسألك بالله إلا أخبرتني. قال: تسألني بالله كأنك لا تعرف نفسك؟ قال: والله لتخبرني، قال: أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه، فجعلته في غير أهله، وأشهد أن الظلم ببابك فاش، فجاء أبو جعفر من موضعه حتى وضع يده في قفا ابن أبي ذؤيب فقبض عليه ثم قال له: أما والله لولا أني جالس ههنا، لأخذت فارس والروم والديلم والترك بهذا المكان منك! فقال ابن أبي ذؤيب: يا أمير المؤمنين قد ولي أبو بكر وعمر، فأخذا الحق وقسما بالسوية، وأخذا بأقفاء فارس والروم، وأصغرا آنافهم، فخلى أبو جعفر قفاه وخلي سبيله. وقال: والله لولا أني أعلم أنك صادق لقتلتك [1] .
وروي أن أبا جعفر المنصور استدعى ابن طاووس أحد علماء عصره، ومعه مالك بن أنس فالتفت إلى ابن طاووس فقال له: حدثني عن أبيك يا طاووس (وكان أبوه تابعيًا) فقال حدثني أبي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله"قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني من دمه. ثم التفت إليه أبو جعفر ثانية وقال: عظني يا طاووس. قال نعم يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني من دمه، فأمسك عنه. ثم قال: ناولني الدواة، فأمسك ساعة حتى اسود بيننا وبينه، ثم قال: يا ابن طاووس ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ فقال أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال ابن طاووس: ذلك ما كنا نبغي، قال مالك فما زلت أعرف لابن طاووس فضله" [2] ."
كما يدل موقف سفيان الثوري على جرأة العلماء في قول الحق وذلك أنه لما ولي هارون الرشيد الخلافة زاره العلماء ففتح لهم بيت المال وأغدق عليهم ولما كانت تربطه بسفيان الثوري علاقة ود قبل توليه الخلافة فإنه أرسل إليه خطابًا يستبطئه فيه ويخبره بعطاياه من بيت المال فلما قرأ سفيان الخطاب قلبه وقال: اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به، وإن كان
(1) المرجع السابق نفسه، ص 376.
(2) تذكرة الحفاظ، جزء 1، ص 160، نقلًا عن عبدالعزيز البدري، مرجع سابق، ص ص 84 - 85.