الصفحة 102 من 117

جهنم واديًا يقال له هبهب أعده الله لكل إمام جائر في حكمه، فصعق الوليد من قوله حتى وقع مغشيًا عليه، فقال عمر لعطاء: قتلت أمير المؤمنين، فقبض عطاء على ذراع عمر بن عبدالعزيز فغمزه غمزة شديدة وقال له: يا عمر إن الأمر جد فجد" [1] ."

وروي أن عمر بن هبيرة دعا عامر الشعبي والحسن البصري فأقبل على الشعبي وقال له: يا أبا عمرو: إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم، فأنا أحب حفظهم وتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم، وقد بلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أجد عليهم فيه فأقبض طائفة من عطائهم، فأضعه في بيت المال، ومن نيتي أن أرده عليهم، فيبلغ ذلك أمير المؤمنين فيأمرني بعدم رده إليهم فلا أستطيع رد أمره، وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة. فهل عليّ في هذا تبعة؟ قال الشعبي: فقلت: أصلح الله الأمير، إنما السلطان والد يخطئ ويصيب. فأعجبه قولي وسر به كثيرًا. ثم أقبل على الحسن وقال له: ما تقول يا أبا سعيد؟ قال: قد سمعت قول الأمير، وأخبرك أن حق الرعية لازم لك، وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة"يقول الأمير إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم، وأن يرجعوا إلى طاعته، فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها، فيكتب إليّ أن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أن يطاع، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل، فإن وجدته موافقًا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفًا لكتاب الله فانبذه، يا ابن هبيرة، اتق الله، فإنه يوشك أن يأتيك رسول الله رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك. يا ابن هبيرة، إن الله ليمنعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله، وإن أمر الله فوق كل أمر، وأنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين. فقال ابن هبيرة: أربع على ظلعك أيها الشيخ، وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين ... فقال الحسن: يا ابن هبيرة الحساب من ورائك سوط بسوط، وغضب بغضب والله بالمرصاد. يا ابن هبيرة: إنك أن تلقى من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقى رجلًا يغرك ويمنيك. فقام ابن هبيرة وقد بَسُرَ وجهه وتغير لونه [2] .

ويقف ابن أبي ذؤيب موقفًا مماثلًا في مجلس أبي جعفر المنصور، فقد جاء الغفاريون يشكون إلى أبي جعفر المنصور واليه على المدينة الحسن بن زيد. فقال الحسن: يا أمير المؤمنين سل عنهم ابن أبي ذؤيب

(1) المرجع السابق نفسه، ص 374.

(2) المرجع السابق نفسه، ص ص 375 - 376.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت